تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 232

مساهمون:

ص٢٣٢
الحكم الثاني إن نفاة القياس قالوا : ثبت بهذا النص أنه عليه السلام ما كان يعمل إلا بالوحي النازل عليه فوجب أن لا يجوز لأحد من أمته أن يعملوا إلا بالوحي النازل عليه ، لقوله تعالى : * ( فاتبعوه ) * ( سبأ : 20 ) وذلك ينفي جواز العمل بالقياس ، ثم أكد هذا الكلام بقوله * ( قل هل يستوي الأعمى والبصير ) * وذلك لأن العمل بغير الوحي يجري مجرى عمل الأعمى والعمل بمقتضى نزول الوحي يجري مجرى عمل البصير . ثم قال : * ( أفلا تتفكرون ) * والمراد منه التنبيه على أنه يجب على العاقل أن يعرف الفرق بين هذين البابين وأن لا يكون غافلاً عن معرفته ، والله أعلم . قوله تعالى * ( وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِّن دُونِهِ وَلِىٌّ وَلاَ شَفِيعٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ) * اعلم أنه تعالى لما وصف الرسل بكونهم مبشرين ومنذرين ، أمر الرسول في هذه الآية بالانذار فقال : * ( وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا ) * وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : ( الإنذار ) الاعلام بموضع المخافة وقوله * ( به ) * قال ابن عباس والزجاج بالقرآن . والدليل عليه قوله تعالى قبل هذه الآية * ( إن أتبع إلا ما يوحى إليّ ) * ( الأنعام : 50 ) وقال الضحاك * ( وأنذر به ) * أي بالله ، والأول أولى ، لأن الانذار والتخويف إنما يقع بالقول وبالكلام لا بذات الله تعالى . وأما قوله * ( الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ) * ففيه أقوال : الأول : أنهم الكافرون الذين تقدم ذكرهم ، وذلك لأنه صلى الله عليه وسلم كان يخوفهم من عذاب الآخرة ، وقد كان بعضهم يتأثر من ذلك التخويف ، ويقع في قلبه أنه ربما كان الذي يقوله محمد حقاً ، فثبت أن هذا الكلام لائق بهؤلاء ، لا يجوز حمله على المؤمنين لأن المؤمنين يعلمون أنهم يحشرون إلى ربهم ، والعلم خلاف الخوف والظن . ولقائل أن يقول : إنه لا يمتنع أن يدخل فيه المؤمنون ، لأنهم وإن تيقنوا الحشر فلم يتيقنوا العذاب الذي يخاف منه ، لتجويزهم أن يموت أحدهم على الإيمان والعمل الصالح وتجويز أن لا يموتوا على هذه الحالة ، فلهذا السبب كانوا خائفين من الحشر ، بسبب أنهم
تفسير الرازي — صفحة 232 | فخر الدين الرازي