تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 181

مساهمون:

ص١٨١
نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ ) * اعلم أنه تعالى لما حكم على أولئك المنكرين بالخسران في الآية الأولى بيّن في هذه الآية سبب ذلك الخسران ، وهو أمران : أحدهما : أن يفترى على الله كذباً ، وهذا الافتراء يحتمل وجوهاً : الأول : أن كفرا مكة كانوا يقولون هذه الأصنام شركاء الله ، والله سبحانه وتعالى أمرهم بعبادتها والتقرب إليها ، وكانوا أيضاً يقولون الملائكة بنات الله ، ثم نسبوا إلى الله تحريم البحائر والسوائب . وثانيها : أن اليهود والنصارى كانوا يقولون : حصل في التوراة والإنجيل أن هاتين الشريعتين لا يتطرق إليهما النسخ والتغيير ، وأنهما لا يجيء بعدهما نبي ، وثالثها : ما ذكره الله تعالى في قوله * ( وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها ) * ( الأعراف : 28 ) ورابعها : أن اليهود كانوا يقولون * ( نحن أبناء الله وأحباؤه ) * ( المائدة : 18 ) وكانوا يقولون * ( لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة ) * ( البقرة : 80 ) وخامسها : أن بعض الجهال منهم كان يقول : إن الله فقير ونحن أغنياء ، وأمثال هذه الأباطيل التي كانوا ينسبونها إلى الله كثيرة ، وكلها افتراء منهم على الله . والنوع الثاني : من أسباب خسرانهم تكذيبهم بآيات الله ، والمراد منه قدحهم في معجزات محمد صلى الله عليه وسلم ، وطعنهم فيها وإنكارهم كون القرآن معجزة قاهرة بينة ، ثم إنه تعالى لما حكى عنهم هذين الأمرين قال : * ( إنه لا يفلح الظالمون ) * أي لا يظفرون بمطالبهم في الدنيا وفي الآخرة بل يبقون في الحرمان والخذلان . وأما قوله * ( ويوم نحشرهم جميعاً ) * ففي ناصب قوله * ( ويوم ) * أقوال : الأول : أنه محذوف وتقديره * ( ويوم نحشرهم ) * كان كيت وكيت ، فترك ليبقى على الابهام الذي هو أدخل في التخويف ، والثاني : التقدير أذكر يوم نحشرهم ، والثالث : أنه معطوف على محذوف كأنه قيل لا يفلح الظالمون أبداً ويوم نحشرهم . وأما قوله * ( ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤهم الذين كنتم تزعمون ) * فالمقصود منه التقريع والتبكيت لا السؤال ، ويحتمل أن يكون معناه أين نفس الشركاء ، ويحتمل أن يكون المراد أين شفاعتهم لكم وانتفاعكم بهم ، وعلى كلا الوجهين : لا يكون الكلام إلا توبيخاً وتقريعاً في نفوسهم أن الذي كانوا يظنونه مأيوس عنه ، وصار ذلك تنبيهاً لهم في دار الدنيا على فساد هذه الطريقة ، والعائد على الموصول من قوله * ( الذين كنتم تزعمون ) * محذوف ، والتقدير : الذين كنتم تزعمون أنهم شفعاء ، فحذف مفعول الزعم لدلالة السؤال عليه ، قال ابن عباس : وكل زعم في كتاب الله كذب .