تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 179

مساهمون:

ص١٧٩
والبحث الثاني : أن هذا استفهام معناه الجحد والانكار . قال لفراء : ولم يقل آخر لأن الآلهة جمع والجمع يقع عليه التأنيث كما قال : * ( والله الأسماء الحسنى ) * ( الأعراف : 180 ) وقال : * ( فما بال القرون الأولى ) * ( طه : 51 ) ولم يقل الأول ولا الأولين وكل ذلك صواب . ثم قال تعالى : * ( قل لا أشهد قل إنما هو إله واحد وإنني بريء مما تشركون ) * واعلم أن هذا الكلام دال على إيجاب التوحيد والبراءة عن الشرك من ثلاثة أوجه : أولها : قوله * ( قل لا أشهد ) * أي لا أشهد بما تذكرونه من إثبات الشركاء . وثانيها : قوله * ( قل إنما هو إله واحد ) * وكلمة * ( إنما ) * تفيد الحصر ، ولفظ الواحد صريح في التوحيد ونفي الشركاء . وثالثها : قوله * ( إنني بريء مما تشركون ) * وفيه تصريح بالبراءة عن إثبات الشركاء فثبت دلالة هذه الآية على إيجاب التوحيد بأعظم طرق البيان وأبلغ وجوه التأكيد . قال العلماء : المستحب لمن أسلم ابتداء أن يأتي بالشهادتين ويتبرأ من كل دين سوى دين الإسلام . ونص الشافعي رحمه الله على استحباب ضم التبري إلى الشهادة لقوله * ( وإنني برئ مما تشركون ) * عقيب التصريح بالتوحيد . قوله تعالى * ( الَّذِينَ ءَاتَيْنَاهُمُ الْكِتاَبَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ) * اعلم أنا روينا في الآية الأولى أن الكفار سألوا اليهود والنصارى عن صفة محمد عليه الصلاة والسلام فأنكروا دلالة التوراة والإنجيل على نبوته ، فبيّن الله تعالى في الآية الأولى أن شهادة الله على صحة نبوته كافية في ثبوتها وتحققها ، ثم بيّن في هذه الآية أنهم كذبوا في قولهم أنا لا نعرف محمداً عليه الصلاة والسلام ، لأنهم يعرفونه بالنبوّة والرسالة كما يعرفون أبناءهم لما روي أنه لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة قال عمر لعبد الله بن سلام : أنزل الله على نبيه هذه الآية فكيف هذه المعرفة ، فقال يا عمر لقد عرفته فيكم حين رأيته كما أعرف ابني ولأنا أشد معرفة بمحمد مني يا بني لأني لا أدري ما صنع النساء وأشهد أنه حق من الله تعالى . وأعلم أن ظاهر هذه الآية يقتضي أن يكون علمهم بنبوة محمد عليه السلام مثل علمهم بأبنائهم وفيه سؤال وهو أن يقال : المكتوب في التوراة والإنجيل مجرد أنه سيخرج نبي في آخر الزمان يدعو الخلق إلى الدين الحق ، أو المكتوب فيه هذا المعنى مع تعين الزمان والمكان والنسب والصفة
تفسير الرازي — صفحة 179 | فخر الدين الرازي