تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 142

مساهمون:

ص١٤٢
بسم الله الرحمن الرحيم * ( الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِى خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالاَْرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثْمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ) * . اعلم أن الكلام المستقصى في قوله * ( الحمد لله ) * قد سبق في تفسير سورة الفاتحة ، ولا بأس بأن نعيد بعض تلك الفوائد ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : في الفرق بين المدح والحمد والشكر . اعلم أن المدح أعم من الحمد ، والحمد أعم من الشكر . أما بيان أن المح أعم من الحمد ، فلأن المدح يحصل للعاقل ولغير العاقل ، ألا ترى أنه كما يحسن مدح الرجل العاقل على أنواع فضائله ، فكذلك قد يمدح اللؤلؤ لحسن شكله ولطافة خلقته ، ويمدح الياقوت على نهاية صفائه وصقالته ! فيقال : ما أحسنه وما أصفاه ، وأما الحمد : فإنه لا يحصل إلا للفاعل المختار على ما يصدر منه من الإنعام والإحسان ، فثبت أن المدح أعم من الحمد . وأما بيان أن الحمد أعم من الشكر ، فون الحمد عبارة عن تعظيم الفاعل لأجل ما صدر عنه من الإنعام سواء كان ذلك الإنعام واصلاً إليك أو إلى غيرك ، وأما الشكر فهو عبارة عن تعظيمه لأجل إنعام وصل إليك وحصل عندك . فثبت بما ذكرنا أن المدح أعم من الحمد ، وهو أعم من الشكر . إذا عرفت هذا فنقول : إنما لم يقل المدح لله ونا بينا أن المدح كما يحصل للفاعل المختار ، فقد يحصل لغيره . أما الحمد فإنه لا يحصل إلا للفاعل المختار . فكان قوله * ( الحمد لله ) * تصريحاً بأن المؤثر في وجود هذا العالم فاعل مختار خلقه بالقدرة والمشيئة وليس علة موجبة له إيجاب العلة لمعلولها ، ولا شك أن هذه الفائدة عظيمة في الدين وإنما لم يقل الشكر لله ، لأنا بينا أن الشكر عبارة عن تعظيمه بسبب انعام صدر منه ووصل إليك ، وهذا مشعر بأن العبد إذا ذكر تعظيمه بسبب ما وصل إليه من النعمة فحينئذ يكون المطلوب الأصلي به وصول النعمة إليه وهذه درجة حقيرة ، فأما إذا قال : الحمد لله ، فهذا يدل على أن العبد حمده لأجل كونه مستحقاً للحمد لا لخصوص أنه تعالى أوصل