تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 87

مساهمون:

ص٨٧
أن تجعلوا لله سلطاناً مبيناً على كونكم منافقين ، والمراد أتريدون أن تجعلوا لأهل دين الله وهم الرسول وأمته ، وإن حملنا الآية الأولى على المنافقين كان المعنى : أتريدون أن تجعلوا لله عليكم في عقابكم حجة بسبب موالاتكم للمنافقين ثم قال تعالى : * ( إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِى الدَّرْكِ الاَْسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال الليث : الدرك أقصى قعر الشيء كالبحر ونحوه ، فعلى هذا المراد بالدرك الأسفل أقصى قعر جهنم ، وأصل هذا من الإدراك بمعنى اللحوق ، ومنه إدراك الطعام وإدراك الغلام ، فالدرك ما يلحق به من الطبقة ، وظاهره أن جهنم طبقات ، والظاهر أن أشدها أسفلها . قال الضحاك : الدرج إذا كان بعضها فوق بعض ، والدرك إذا كان بعضها أسفل من بضع . المسألة الثانية : قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم * ( في الدرك ) * بسكون الراء والباقون بفتحها ، قال الزجاج : هما لغتان مثل الشمع والشمع ، إلا أن الاختيار فتح الراء لأنه أكثر استعمالاً قال أبو حاتم : جمع الدرك أدراك كقولهم : جمل وأجمل ، وفرس وأفرس ، وجمع الدرك أدرك مثل فلس وأفلس وكلب وأكلب . المسألة الثالثة : قال ابن الأنباري : إنه تعالى قال في صفة المنافقين إنهم في الدرك الأسفل ، وقال في آل فرعون * ( أدخلوا آل فرعون أشد العذاب ) * ( غافر : 46 ) فأيهما أشد عذاباً ، المنافقون أم آل فرعون ؟ وأجاب بأنه يحتمل أن أشد العذاب إنما يكون في الدرك الأسفل ، وقد اجتمع فيه الفريقان . المسألة الرابعة : لما كان المنافق أشد عذاباً من الكافر لأنه مثله في الكفر ، وضم إليه نوع آخر من الكفر ، وهو الاستهزاء بالإسلام وبأهله ، وبسبب أنهم لما كانوا يظهرون الإسلام يمكنهم الاطلاع على أسرار المسلمين ثم يخبرون الكفار بذلك فكانت تتضاعف المحنة من هؤلاء المنافقين ، فلهذه الأسباب جعل الله عذابهم أزيد من عذاب الكفار . ثم قال تعالى : * ( ولن تجد لهم نصيراً ) * وهذا تهديد لهم . واحتج أصحابنا بهذا على إثبات الشفاعة في حق الفساق من أهل الصلاة ، قالوا : إنه تعالى خصّ المنافقين بهذا التهديد ، ولو كان ذلك حاصلاً في حق غير المنافقين لم يكن ذلك زجراً عن النفاق من حيث أنه نفاق ، وليس هذا استدلالاً بدليل الخطاب ، بل وجه الاستدلال فيه أنه تعالى ذكره في معرض الزجر عن النفاق ، فلو حصل ذلك مع عدمه لم يبق زجراً عنه من حيث إنه نفاق