تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 84

مساهمون:

ص٨٤
في الحال ولا يرجون بها ثواباً ولا من تركها عقاباً ، فكان الداعي للترك قوياً من هذه الوجوه ، والداعي إلى الفعل ليس إلا خوف الناس ، والداعي إلى الفعل متى كان كذلك وقع الفعل على وجه الكسل والفتور . قال صاحب " الكشاف " : قرىء * ( كسالى ) * بضم الكاف وفتحها جمع كسلان كسكارى في سكران . ثم قال تعالى : * ( يراؤن الناس ولا يذكرون الله إلا قليلاً ) * والمعنى أنهم لا يقومون إلى الصلاة إلا لأجل الرياء والسمعة ، لا لأجل الدين . فإن قيل : ما معنى المرآة وهي مفاعلة من الرؤية . قلنا : إن المرائي يريهم عمله وهم يرونه استحسان ذلك العمل ، وفي قوله * ( ولا يذكرون الله إلا قليلاً ) * وجوه : الأول : أن المراد بذكر الله الصلاة ، والمعنى أنهم لا يصلون إلا قليلاً ، لأنه متى لم يكن معهم أحد من الأجانب لم يصلوا ، وإذا كانوا مع الناس فعند دخول وقت الصلاة يتكلفون حتى يصيروا غائبين عن أعين الناس . الثاني : أن المراد بذكر الله أنهم كانوا في صلاتهم لا يذكرون الله إلا قليلاً ، وهو الذي يظهر مثل التكبيرات ، فأما الذي يخفى مثل القراءة والتسبيحات فهم لا يذكرونها . الثالث : المراد أنهم لا يذكرون الله في جميع الأوقات سواء كان ذلك الوقت وقت الصلاة أو لم يكن وقت الصلاة إلا قليلاً نادراً . قال صاحب " الكشاف " . وهكذا نرى كثيراً من المتظاهرين بالإسلام ، ولو صحبته الأيام والليالي لم تسمع منه تهليلة ولا تسبيحة ، ولكن حديث الدنيا يستغرق به أيامه وأوقاته لا يفتر عنه . الرابع : قال قتادة إنما قيل : إلا قليلاً ، لأن الله تعالى لم يقبله ، وما رده الله تعالى فكثيره قليل ، وما قبله الله فقليله كثير ثم قال تعالى : * ( مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لاَ إِلَى هَؤُلاءِ وَلاَ إِلَى هَؤُلاءِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : مذبذبين . إما حال من قوله * ( يراؤن ) * أو من قوله * ( لا يذكرون الله إلا قليلاً ) * ( النساء : 142 ) ويحتمل أن يكون منصوباً على الذم . المسألة الثانية : مذبذبين : أي متحيرين ، وحقيقة المذبذب الذي يذب عن كلا الجانبين ، أي
تفسير الرازي — صفحة 84 | فخر الدين الرازي