تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 57

مساهمون:

ص٥٧
الحقيقة لا يرجون الا أنفسهم وأما أهل السنة الذين فوضوا التدبير والتكوين والإبداع والخلق إلى الحق سبحانه وتعالى ، واعتقدوا أنه لا موجد ولا مؤثر إلا لله فهم الذين أسلموا وجوههم لله وعولوا بالكلية على فضل الله ، وانقطع نظرهم عن كل شيء ما سوى الله . وأما الوجه الثاني في بيان فضيلة الإسلام : وهو أن محمداً عليه الصلاة والسلام إنما دعا الخلق إلى دين إبراهيم عليه السلام ، فلقد اشتهر عند كل الخلق أن إبراهيم عليه السلام ما كان يدعو إلا إلى الله تعالى كما قال : * ( إنني برئ مما تشركون ) * ( الأنعام : 19 ) وما كان يدعو إلى عبادة فلك ولا طاعة كوكب ولا سجدة صنم ولا استعانة بطبيعة ، بل كان دينه الدعوة إلى الله والاعراض عن كل ما سوء الله ودعوة محمد عليه الصلاة والسلام قد كان قريباً من شرع إبراهيم عليه السلام في الختان وفي الأعمال المتعلقة بالكعبة : مثل الصلاة إليها والطواف بها والسعي والرمي والوقوف والحلق والكلمات العشر المذكورة في قوله * ( وإذا ابتلى إبراهيم ربه ) * ( البقرة : 124 ) ولما ثبت أن شرع محمد عليه الصلاة والسلام كان قريباً من شرع إبراهيم ثم إن شرع إبراهيم مقبول عند الكل ، وذلك لأن العرب لا يفتخرون بشيء كافتخارهم بالانتساب إلى إبراهيم ، وأما اليهود والنصارى فلا شك في كونهم مفتخرين به ، وإذا ثبت هذا لزم أن يكون شرع محمد مقبولاً عند الكل . وأما قوله * ( حنيفاً ) * ففيه بحثان : الأول : يجوز أن يكون حالاً للمتبوع ، وأن يكون حالاً للتابع ، كما إذا قلت : رأيت راكباً ، فإنه يجوز أن يكون الراكب حالاً للمرئي والرائي . البحث الثاني : الحنيف المائل ، ومعناه أنه مائل عن الأديان كلها ، لأن ما سواه باطل ، والحق أنه مائل عن كل ظاهر وباطن ، وتحقيق الكلام فيه أن الباطل وإن كان بعيداً من الباطل الذي يضاده فقد يكون قريباً من الباطل الذي يجانسه ، وأما الحق فإنه واحد فيكون مائلاً عن كل ما عداه كالمركز الذي يكون في غاية البعد عن جميع أجزاء الدائرة . فإن قيل : ظاهر هذه الآية يقتضي أن شرع محمد عليه الصلاة والسلام نفس شرع إبراهيم ، وعلى هذا التقدير لم يكن محمد عليه الصلاة والسلام صاحب شريعة مستقلة ، وأنتم لا تقولون بذلك . قلنا : يجوز أن تكون ملة إبراهيم داخلة في ملة محمد عليه الصلاة والسلام مع اشتمال هذه الملة على زوائد حسنة وفوائد جليلة . ثم قال تعالى : * ( واتخذ الله إبراهيم خليلاً ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : في تعلق هذه الآية بما قبلها ، وفيه وجهان : الأول : أن إبراهيم عليه السلام
تفسير الرازي — صفحة 57 | فخر الدين الرازي