تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 54

مساهمون:

ص٥٤
الوجه الرابع في الجواب : هب أن النص يعم المؤمن والكافر ، ولكن قوله * ( ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) * ( النساء : 48 ) أخص منه والخاص مقدم على العام ، ولأن إلحاق التأويل بعمومات الوعيد أولى من إلحاقه بعمومات الوعد لأن الوفاء بالوعد كرم ، وإهمال الوعيد وحمله على التأويل بالتعريض جود وإحسان . المسألة الثانية : دلّت الآية على أن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع لأن قوله * ( من يعمل سوءاً ) * يتناول جميع المحرمات ، فدخل فيه ما صدر عن الكفار مما هو محرم في دين الإسلام ثم قوله * ( يجز به ) * يدل على وصول جزاء كل ذلك إليهم . فإن قيل : لم لا يجوز أن يكون ذلك الجزاء عبارة عما يصل إليهم من الهموم والغموم في الدنيا . قلنا : إنه لا بدّ وأن يصل جزاء أعمالهم الحسنة إليهم في الدنيا إذ لا سبيل إلى إيصال ذلك الجزاء إليهم في الآخرة ، وإذا كان كذلك فهذا يقتضي أن يكون نعمتهم في الدنيا أكثر ولذاتهم ههنا أكمل ، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام : " الدنيا سجن المؤمن وجنّة الكافر " وإذا كان كذلك امتنع أن يقال : إن جزاء أفعالهم المحظورة تصل إليهم في الدنيا ، فوجب القول بوصول ذلك الجزاء إليهم في الآخرة . المسألة الثالثة : قالت المعتزلة : دلت الآية على أن العبد فاعل ، ودلت أيضاً على أنه بعمل السوء يستحق الجزاء ، وإذا دلت الآية على مجموع هذين الأمرين فقد دلت على أن الله غير خالق لأفعال العباد ، وذلك من وجهين : أحدهما : أنه لما كان عملاً للعبد امتنع كونه عملاً لله تعالى لاستحالة حصول مقدور واحد بقادرين ، والثاني : أنه لو حصل بخلق الله تعالى لما استحق العبد عليه جزاء البتة وذلك باطل ، لأن الآية دالة على أن العبد يستحق الجزاء على عمله ، وأعلم أن الكلام على هذا النوع من الاستدلال مكرر في هذا الكتاب . ثم قال تعالى : * ( ولا يجد له من دون الله ولياً ولا نصيراً ) * . قالت المعتزلة : دلت الآية على نفي الشفاعة ، والجواب من وجهين : الأول : أنا قلنا أنا هذه الآية في حق الكفار . والثاني : أن شفاعة الأنبياء والملائكة في حق العصاة إنما تكون بإذن الله تعالى ، وإذا كان كذلك فلا ولي لأحد ولا نصير لأحد إلا الله سبحانه وتعالى