تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 118

مساهمون:

ص١١٨
ليس بعار أن يكون عبد الله ، فنزلت هذه الآية ، وأنا أقول : إنه تعالى لما أقام الحجة القاطعة على أن عيسى عبد الله ، ولا يجوز أن يكون أبنا له أشار بعده إلى حكاية شبهتهم وأجاب عنها ، وذلك لان الشبهة التي عليها يعولون في إثبات أنه ابن الله هو أنه كان يخبر عن المغيبات وكان يأتي بخوارق العادات من الاحياء والابراء ، فكأنه تعالى قال ( لن يستنكف المسيح ) بسب هذا القدر من العلم والقدرة عن عبادة الله تعالى فان الملائكة المقربين أعلى حالا منه في العلم بالمغيبات لأنهم مطلعون على اللوح المحفوظ ، أعلى حالا منه في القدرة لان ثمانية منهم حملوا العرش على عظمته ، ثم إن الملائكة مع كمال حالهم في العلوم والقدرة لن يستنكفوا عن عبودية الله ، فكيف يستنكف المسيح عن عبودية بسبب هذا القدر القليل الذي كان معه من العلم والقدرة ، وإذا حملنا الآية على ما ذكرناه صارت هذه الآيات متناسبة متتابعة ومناظرة شريفة كاملة ، فكان حمل الآية على هذا الوجه أولى ( المسألة الثالثة ) استدل المعتزلة بهذه الآية على أن الملك أفضل من البشر . وقد ذكرنا استدلالهم بها في تفسير قوله ( وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ) وأجبنا عن هذا الاستدلال بوجوه كثيرة ، والذي نقول ههنا : انا نسلم أن اطلاع الملائكة على المغيبات أكثر من اطلاع البشر عليها ونسلم أن قدرة الملائكة على التصرف في هذا العالم أشد من قدرة البشر ، كيف ويقال : ان جبريل قلع مدائن قوله لوط بريشة واحدة من جناحه انما النزاع في أن ثواب طاعات الملائكة أكثر أم ثواب طاعات البشر ، وهذه الآية لا تدل على ذلك البتة ، وذلك لان النصارى انما أثبتوا إلهية عيسى بسبب أنه أخبر عن الغيوب وأتى بخوارق العادات . فايراد الملائكة لأجل إبطال هذه الشبهة انما يستقيم إذا كانت الملائكة أقوى حالا في هذه العلم ، وفى هذه القدرة من البشر ، ونحن نقول بموجبه . فاما أن يقال : المراد من الآية تفضيل الملائكة على المسيح في كثرة الثواب على الطاعات فذلك مما لا يناسب هذا الموضع ولا يليق به ، فظهر أن هذا الاستدلال انما قوى في الأوهام لان الناس ما لخصوا محل النزاع والله أعلم . ( المسألة الرابعة ) في الآية سؤال ، وهو أن الملائكة معطوفون على المسيح فيصير التقدير : ولا الملائكة المقربون في أن يكونوا عبيدا لله وذلك غير جائز . والجواب فيه وجهان : أحدهما : أن يكون المراد ولا كل واحد من المقربين . والثاني : أن أن يكون المراد ولا الملائكة المقربون أن يكونوا عبيدا فحذف ذلك لدلالة قوله ( عبدا لله ) عليه على طريق الايجاز .