تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 113

مساهمون:

ص١١٣
بكتابه دفعة واحدة من السماء كما نزلت التوراة على موسى ، وقولهم : إن الله تعالى ذكر في التوراة أن شريعة موسى لا تبدل ولا تنسخ إلى يوم القيامة ، وقولهم : إن الأنبياء لا يكونون إلا من ولد هارون وداود ، وقوله * ( قد ضلوا ضلالاً بعيداً ) * وذلك لأن أشد الناس ضلالاً من كان ضالاً ويعتقد في نفسه أنه محق ، ثم إنه يتوسل بذلك الضلال إلى اكتساب المال والجاه ، ثم إنه يبل كنه جهده في إلقاء غيره في مثل ذلك الضلال ، فهذا الإنسان لا شك أنه قد بلغ في الضلال إلى أقصى الغايات وأعظم النهايات ، فلهذا قال تعالى في حقهم * ( قد ضلوا ضلالاً بعيداً ) * ولما وصف تعالى كيفية ضلالهم ذكر بعده وعيدهم فقال : * ( إن الذين كفروا وظلموا ) * محمداً بكتمان ذكر بعثته وظلموا عوامهم بإلقاء الشبهات في قلوبهم * ( لم يكن الله ليغفر لهم ) * . وأعلم أنا إن حملنا قوله * ( إن الذين كفروا ) * على المعهود السابق لم يحتج إلى إضمار شرط في هذا الوعيد ، لأنا نحمل الوعيد في الآية على أقوام علم الله منهم أنهم يموتون على الكفر ، وإن حملناه على الاستغراق أضمرنا فيه شرط عدم التوبة ، ثم قال * ( ولا ليهديهم طريقاً * إلا طريق جهنم ) * . ثم قال تعالى : * ( خالدين فيها أبداً ) * والمعنى أنه تعالى لا يهديهم يوم القيامة إلى الجنة بل يهديهم إلى طريق جهنم * ( وكان ذلك على الله يسيراً ) * انتصب خالدين على الحال ، والعامل فيه معنى لا ليهديهم لأنه بمنزلة نعاقبهم خالدين ، وانتصب * ( أبداً ) * على الظرف ، وكان ذلك على الله يسيراً ، والمعنى لا يتعذر عليه شيء فكان إيصال الألم إليهم شيئاً بعد شيء إلى غير النهاية يسيراً عليه وإن كان معتذراً على غيره . * ( يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَآءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ فَامِنُواْ خَيْراً لَّكُمْ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ اللَّهِ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَالاَْرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً ) * اعلم أنه تعالى لما أجاب عن شبهة اليهود على الوجوه الكثيرة وبيّن فساد طريقتهم ذكر خطاباً عاماً يعمهم ويعم غيرهم في الدعوة إلى دين محمد عليه الصلاة والسلام فقال : * ( يا أيها الناس قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم ) * وهذا الحق فيه وجهان : الأول : أنه جاء بالقرآن ، القرآن معجز فيلزم أنه جاء بالحق من ربه . والثاني : أنه جاء بالدعوة إلى عبادة الله والاعراض عن غيره ، والعقل