تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 108

مساهمون:

ص١٠٨
وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما حكى أن اليهود سألوا الرسول صلى الله عليه وسلم أن ينزل عليهم كتاباً من السماء ، وذكر تعالى بعده أنهم لا يطلبون ذلك لأجل الاسترشاد ولكن لأجل العناد واللجاج ، وحكى أنواعاً كثيرة من فضائحهم وقبائحهم ، وامتد الكلام إلى هذا المقام ، شرع الآن في الجواب عن تلك الشبهة فقال : * ( إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيّين من بعده ) * والمعنى : أنا توافقنا على نبوّة نوح وإبراهيم وإسماعيل وجميع المذكورين في هذه الآية ، وعلى أن الله تعالى أوحى إليهم ، ولا طريق إلى العلم بكونهم أنبياء الله ورسله إلا ظهور المعجزات عليهم ولكل واحد منهم نوع آخر من المعجزات على التعيين ، وما أنزل الله على كل واحد من أنواع المعجزات عليهم ، علمنا أن هذه الشبهة زائلة ، وأن إصرار اليهود على طلب هذه المعجزة باطل ، وتحقيق القول فيه أن إثبات المدلول يتوقف على ثبوت الدليل ، ثم إذا حصل الدليل وتم فالمطالبة بدليل آخر تكون طلباً للزيادة وإظهاراً للتعنت واللجاج ، والله سبحانه وتعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، فلا اعتراض عليه لأحد بأنه لم أعطى هذا الرسول هذه المعجزة وذلك الرسول الآخر معجزاً آخر ، وهذا الجواب المذكور ههنا هو الجواب المذكور في قوله تعالى : * ( وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً ) * ( الإسراء : 90 ) إلى قوله * ( قل سبحان ربي هل كنت إلا بشراً رسولاً ) * ( الإسراء : 93 ) يعني أنك إنما ادعيت الرسالة ، والرسول لا بدّ له من معجزة تدلّ على صدقه ، وذلك قد حصل ، وأما أن تأتي بكل ما يطلب منك فذاك ليس من شرط الرسالة ، فهذا جواب معتمد عن الشبهة التي أوردها اليهود ، وهو المقصود الأصلي من هذه الآية . المسألة الثانية : قال الزجاج : الإيحاء الإعلام على سبيل الخفاء ، قال تعالى : * ( فأوحى إليهم أن سبِّحوا بكرةً وعشياً ) * ( مريم : 11 ) أي أشار إليهم ، وقال * ( وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي ) * ( المائدة : 111 ) وقال * ( وأوحى ربك إلى النحل ) * ( النحل : 68 ) * ( وأوحينا إلى أم موسى ) * ( القصص : 7 ) والمراد بالوحي في هذه الآيات الثلاثة الإلهام . المسألة الثالثة : قالوا إنما بدأ تعالى بذكر نوح لأنه أول نبي شرع الله تعالى على لسانه الأحكام والحلال والحرام ، ثم قال تعالى : * ( والنبيّين من بعده ) * ثم خصّ بعض النبيّين بالذكر لكونهم أفضل من غيرهم كقوله * ( وملائكته ورسله وجبريل وميكال ) * ( البقرة : 98 ) . واعلم أن الأنبياء المذكورين في هذه الآية سوى موسى عليه السلام إثنا عشر ولم يذكر موسى
تفسير الرازي — صفحة 108 | فخر الدين الرازي