تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 106

مساهمون:

ص١٠٦
ففيه أقوال : الأول : روي عن عثمان وعائشة أنهما قالا : إن في المصحف لحناً وستقيمه العرب بألسنتها . واعلم أن هذا بعيد لأن هذا المصحف منقول بالنقل المتواتر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فكيف يمكن ثبوت اللحن فيه ، الثاني : وهو قول البصريين : أنه نصب على المدح لبيان فضل الصلاة ، قالوا إذا قلت : مررت بزيد الكريم فلك أن تجر الكريم لكونه صفة لزيد ، ولك أن تنصبه على تقدير أعني ، وإن شئت رفعت على تقدير هو الكريم ، وعلى هذا يقال : جاءني قومك المطعمين في المحل والمغيثون في الشدائد ، والتقدير جاءني قومك أعني المطعمين في المحل وهم المغيثون في الشدائد فكذا ههنا تقدير الآية : أعني المقيمين اللاة وهم المؤتون الزكاة ، طعن الكسائي في هذا القول وقال : النصب على المدح إنما يكون بعد تمام الكلام ، وههنا لم يتم الكلام ، لأن قوله * ( لكن الراسخون في العلم ) * منتظر للخبر ، والخبر هو قوله * ( أولئك سنؤتيهم أجراً عظيماً ) * . والجواب : لا نسلم أن الكلام لا يتم إلا عند قوله * ( أولئك ) * لأنا بينا أن الخبر هو قوله * ( يؤمنون ) * وأيضاً لم لا يجوز الاعتراض بالمدح بين الاسم والخبر ؛ وما الدليل على امتناعه ؟ فهذا القول هو المعتمد في هذه الآية . والقول الثالث : وهو اختيار الكسائي ، وهو أن المقيمين خفض بالعطف على ( ما ) في قوله * ( بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ) * والمعنى : والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالمقيمين الصلاة ، ثم عطف على قوله * ( والمؤمنون ) * قوله * ( والمؤتون الزكاة ) * والمراد بالمقيمين الصلاة الأنبياء ، وذلك لأنه لم يخل شرع أحد منهم من الصلاة . قال تعالى في سورة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بعد ذكر أعداداً منهم * ( وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة ) * ( الأنبياء : 73 ) وقيل : المراد بالمقيمين الصلاة الملائكة الذين وصفهم الله بأنهم الصافون وهم المسبحون وأنهم يسبِّحون الليل والنهار لا يفترون ، فقوله * ( يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ) * يعني يؤمنون بالكتب ، وقوله * ( والمقيمين الصلاة ) * يعني يؤمنون بالرسل . الرابع : جاء في مصحف عبد الله بن مسعود * ( والمقيمون الصلاة ) * بالواو ، وهي قراءة مالك بن دينار والجحدري وعيسى الثقفي . المسألة الثانية : اعلم أن العلماء على ثلاثة أقسام : الأول : العلماء بأحكام الله تعالى فقط . والثاني : العلماء بذات الله وصفات الله فقط . والثالث : العلماء بأحكام الله وبذات الله ، أما الفريق الأول فهم العالمون بأحكام الله وتأليفه وشرائعه ، وأما الثاني : فهم العالمون بذات الله وبصفاته الواجبة والجائزة والممتنعة ، وأما الثالث : فهم الموصوفون بالعاملين وهم أكابر العلماء ، وإلى هذه الأقسام الثلاثة أشار النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : " جالس العلماء وخالط الحكماء ورافق الكبراء " .