جبلّيّ للإنسان ، فإنّه عند الرخاء يتصوّر له أعواناً وأنصاراً من
أب وأمّ وقريب وصديق إلى غير ذلِك يدعوهم لقضاء حوائجه ، وفي الضراء ووقت الاضطرار الّذي لا يجد ممن ذكر أحداً يقدر عَلى كشف كربته ، فلا بدّ له من دعوة الله تعالى ، وقد صحّ عن المعصوم : أنّ الّذي تنكسر به السفينة في البحر ولا يرى من ينجيه يرى في نفسه وجود من هو قادر عَلى نجاته ؛ وهو الله تعالى ( 1 ) ، فيكون محصّل معنى الآية أنّ الانسان - لكونه كفوراً عند الاضطرار - يتوجّه إلى الله تعالى دون غيره ، وبعد حصول النجاة له عن الضرر والاضطراب نسي تلك الحالة ، ورجع إلى الغفلة
المعبرّ عنها بالإعراض عن الله ؛ فإنّ الغفلة عن الله مثل الإعراض عنه تعالى في كونه غير متوجّه إليه .
وبما ذكرنا ظهر أنّ نسيان ما يدعونه المشركون المشار إليه بقوله تعالى : ( وتنسون ما تشركون ) ( 2 ) ليس أمراً اختيارياً لهم ، بل الضرورة تدعوهم إلى دعوته تعالى فقط ، ولازم ذلِك نسيان ما
يدعونه ، فيكون التوجّه منحصراً في التوجه إليه تعالى دون غيره بغير التفات واختيار ؛ لاقتضاء الجبلّة ، فلا يحمدون بذلِك ، كما أنّ
هامش
1 - روى في توحيد الصدوق عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) ما يدلّ على ذلك فراجع ص 221 منه .
2 - سورة الأنعام : الآية 41 .