باب الياء
يحيى بن زياد بن عبد الله بن منظور :
أبو زكريا الديلمي المعروف ب ( الفراء ) الامام المشهور ( 1 ) .
أخذ عن الكسائي ، وهو من جلة أصحابه ، وكان أبرع الكوفيين .
له مصنفات كثيرة مشهورة في النحو واللغة ومعاني القرآن ، مات بطريق
هامش
( 1 ) يحيى بن زياد - الأقطع - بن عبد الله بن مروان الديلمي الكوفي ، وكان
إمامي العقيدة ، وقطعت يد أبيه زياد بن عبد الله في ( وقعة فخ ) لأنه كان مع
الحسين بن علي بن الحسن المثلث - رضي الله عنه - حين ظهر أيام موسى الهادي
ابن المهدي بن المنصور العباسي ، فقتل وقتل معه جماعة من أهل بيته ومن الشيعة ،
وقطعت يد زياد حينئذ ، والتشيع قديم فيهم .
ونقل ابن خلكان في ( وفيات الأعيان ) عن أبي عبد الله المرزبان في كتابه :
" أن زيادا - والد الفراء - كان أقطع لأنه حضر وقعة الحسين بن علي - رضي الله
عنهما - فقطعت يده في ذلك الحرب " .
فحسب ابن خلكان أن الحسين بن علي - هذا - هو الشهيد في كربلا ابن
علي بن أبي طالب - عليه السلام - فاستغرب من كلام ابن المرزبان ، وأردف
كلامه بقوله : " وهذا عندي فيه نظر لان الفراء عاش ثلاثا وستين سنة فتكون
ولادته سنة 144 ه ، وحرب الحسين كانت سنة إحدى وستين للهجرة ، فبين حرب
الحسين وولادة الفراء ثلاث وثمانون سنة ، فكم عاش أبوه ؟ فإن كان الأقطع جده
فيمكن والله أعلم " .
هذا كلام ابن خلكان وما ندري من أين علم أن الحسين بن علي في كلام
ابن المرزبان هو الحسين بن علي بن أبي طالب شهيد كربلا - عليه السلام - وكم
لابن خلكان من هفوات ؟ ( وللغفلات تعرض للأريب ) .
وقد نص المولى عبد الله أفندي في ( رياض العلماء ) على أن الفراء - هذا -
من الشيعة الإمامية ، قال : " وما قال السيوطي - يعني في بغية الوعاة - من ميل
الفراء إلى الاعتزال لعله مبني على خلط أكثر علماء العامة بين أصول الشيعة والمعتزلة
وإلا فهو شيعي إمامي " .
قال ابن خلكان : " كان الفراء أبرع الكوفيين وأعلمهم بالنحو واللغة
وفنون الأدب ، ( حكي ) عن أبي العباس ثعلب أنه قال : لولا الفراء لما كانت
عربية لأنه خلصها وضبطها ، ولولا الفراء لسقطت العربية لأنها كانت تتنازع
ويدعيها كل من أراد ، ويتكلم الناس فيها على مقادير عقولهم وقرائحهم فتذهب
وأخذ النحو عن أبي الحسن الكسائي ، وهو والأحمر ( أي علي بن المبارك ) من أشهر أصحابه
وأخصهم به ، وكان قد ورد بغداد في أيام المأمون فبقي يتردد على بابه مدة لا يصل إليه ، فبينما
هو ذات يوم على الباب إذ جاء أبو بشر ثمامة بن الأشرس النمير المعتزلي - وكان خصيصا
بالمأمون - قال ثمامة : فرأيت أبهة أديب فجلست إليه ففاتشته عن اللغة فوجدته بحرا ، وفاتشته
عن النحو فشاهدته نسيج وحده ، وعن الفقه فوجدته رجلا فقيها عارفا باختلاف القوم ،
وبالنجوم ماهرا ، وبالطب خبيرا ، وبأيام العرب وأشعارها حاذقا ، فقلت له : من تكون ؟
وما أظنك إلا الفراء ، فقال : أنا هو ، فدخلت فأعلمت أمير المؤمنين المأمون فامر
باحضاره لوقته وكان سبب اتصاله به ، ( وقال قطرب ) دخل الفراء على الرشيد
فتكلم بكلام لحن فيه مرآة ، فقال جعفر بن يحيى البرمكي : إنه قد لحن
يا أمير المؤمنين ، فقال الرشيد للفراء : أتلحق ؟ فقال الفراء : يا أمير المؤمنين إن
طباع أهل البدو الاعراب وطباع أهل الحضر اللحن ، فإذا تحفظت لم ألحن ، وإذا
رجعت إلى الطباع لحنت ، فاستحسن الرشيد قوله " .
وقال الخطيب في تاريخ بغداد : " إن الفراء لما اتصل بالمأمون أمره أن
يؤلف ما يجمع به أصول النحو وما سمع من العربية ، وأمر أن يفرد بحجرة من حجر
الدار ووكل به جواري وخدم يقمن بما يحتاج إليه حتى لا يتعلق قلبه ولا تتشوق
نفسه إلى شئ ، حتى أنهم كانوا يؤذنونه بأوقات الصلاة ، وصير له الوراقين
وألزمه الامناء والمنفقين ، فكان يملي والوراقون يكتبون حتى صنف ( الحدود )
في سنتين . وأمر المأمون بكتبه بالخزائن ، فبعد أن فرغ من ذلك خرج إلى الناس
وابتدأ بكتاب ( المعاني ) ، قال الراوي : وأردنا أن نعد الناس الذين اجتمعوا
لاملاء ( كتاب المعاني ) فلم نضبطهم ، فعددنا القضاة فكانوا ثمانين قاضيا فلم
يزل يمليه حتى أتمه . ولما فرغ من ( كتاب المعاني ) خزنه الوراقون عن الناس ليكتسبوا
به ، وقالوا : لا نخرجه إلا لمن أراد أن ننسخه له على خمس أوراق بدرهم ، فشكا
الناس إلى الفراء ، فدعا الوراقين فقال لهم في ذلك ، فقالوا : إنما صحبناك لننتفع
بك ، وكل ما صنفته فليس بالناس إليه من الحاجة ما بهم إلى هذا الكتاب فدعنا
نعيش به ، فقال : فقاربوهم تنتفعوا وينتفعوا ، فأبوا عليه ، فقال : سأريكم ، وقال
للناس : إني ممل كتاب معان أتم شرحا وأبسط قولا من الذي أمليت ، فجلس
يملي ، فأملى الحمد في مائة ورقة ، فجاء الوراقون إليه وقالوا : نحن نبلغ الناس
ما يحبون ، فنسخوا كل عشر أوراق بدرهم ، وكان سبب إملائه ( كتاب المعاني )
أن أحد أصحابه - وهو عمر بن بكير - كان يصحب الحسن بن سهل فكتب إلى
الفراء : إن الأمير الحسن لا يزال يسألني عن أشياء من القرآن لا يحضرني عنها جواب
فان رأيت أن تجمع لي أصولا وتجعل ذلك كتابا يرجع إليه فعلت ؟ فلما قرأ الكتاب
قال لأصحابه : اجتمعوا حتى أملي لكم كتاب في القرآن وجعل لهم يوما ، فلما حضروا
خرج إليهم ، وكان في المسجد رجل يؤذن فيه وكان من القراء ، فقال له : إقرأ
فقرأ فاتحة الكتاب ففسرها حتى مر في القرآن كله على ذلك ، يقرأ الرجل والفراء
يفسره ، وكتابه هذا نحو ألف ورقة ، وهو كتاب لم يعمل مثله ، ولا يمكن أحد
أن يزيد عليه " .
وقد طبع بمصر حديثا جزء ان من ( كتاب المعاني ) إلى سورة الزمر ، ويستمر
في طبع بقية أجزائه . ومولد الفراء بالكوفة سنة 144 ه ، وانتقل إلى بغداد
وجعل أكثر مقامه بها ، وكان شديد طلب المعاش لا يستريح في بيته ، وكان
يجمع طول السنة ، فإذا كان في آخرها خرج إلى الكوفة فأقام بها أربعين يوما في
أهله يفرق عليهم ما جمعه ويبرهم .
وله من التصانيف : الكتابان المقدم ذكرهما ، وهما : الحدود ، والمعاني
وكتابان في المشكل ، أحدهما أكبر من الاخر ، وكتاب البهاء وهو صغير الحجم
( قال ابن خلكان ) : " وقفت عليه ورأيت فيه أكثر الألفاظ التي استعملها أبو العباس
ثعلب في ( كتاب الفصيح ) وهو في حجم الفصيح غير أنه غيره ، ورتبه على صورة
أخرى ، وعلى الحقيقة ليس لثعلب في ( الفصيح ) سوى الترتيب وزيادة يسيرة
وفى كتاب ( البهاء ) أيضا ألفاظ ليست في الفصيح قليلة ، وليس في الكتابين
اختلاف إلى في شئ قليل ، وله كتاب اللغات ، وكتاب المصادر في القرآن ،
وكتاب الجمع والتثنية في القرآن ، وكتاب الوقف والابتداء ، وكتاب المفاخر
وكتاب آلة الكتاب ، وكتاب النوادر ، وكتاب الواو ، وغير ذلك من الكتب
وقال سلمة بن عاصم : أملى الفراء كتبه كلها حفظا لم يأخذه بيده نسخة إلا في كتابين
كتاب ملازم ، وكتاب يافع ويفعه ، قال أبو بكر الأنباري : ومقدار الكتابين
خمسون ورقة ، مقدار كتب الفراء ثلاثة آلاف ورقة " .
والفراء - بفتح الفاء وتشديد الراء وبعدها الف ممدودة - وإنما قيل له : فراء
ولم يكن يعمل الفراء ولا يبيعها - لأنها كان يفري الكلام
وقد توفي سنة 207 ه في طريق مكة وعمره ثلاث وستون سنة ، راجع في
ترجمه أكثر المعاجم الرجالية لا سيما الكتب المؤلفة في طبقات النحويين .