مذهب الأئمة الاشراف ، فان مؤلفه هو السيد الرضي بلا خفاء ، واحتمال
الوضع من أحد هذين المعظمين من أعظم الافتراء ، ولعمري أراد أن
يذم ، فمدح . فان الاقتداء على مثل ما تضمنه الكتاب المذكور : -
من الخطب والكتب وغيرها من الكلام ، الذي هو دون كلام الخالق وفوق
كلام المخلوق - يعود بالمدح والثناء من حيث لا يشعر به قائله ( 1 ) .
وفي ( مجالس المؤمنين ) - نقلا عن تأريخ ابن كثير الشامي - أنه
قال فيه : ( الشريف الموسوي الملقب ب ( المرتضى ) ذي المجدين ، كان
أكبر من أخيه ( الرضي ) ذي الحسبين نقيب الطالبين ، وكان على مذهب الإمامية
والاعتزال ، يناظر على كل ذلك . وكان يناظر عنده في كل مذهب
هامش
( 1 ) إن نسبة انتحال الشريف الرضي - رحمه الله - جامع ( نهج البلاغة )
خطبة أو كلمة إلى الامام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - عليه السلام - وتعمده
الكذب عليه بأي دافع من الدوافع ، فشئ لا يسع أهل العلم والعرفاء بحال الرضي
- رحمه الله - أن يقبلوه ، لان نزاهة الشريف الرضي معلومة ، وعفته مشهورة ،
وزهده ثابت ، وورعه معروف ، فقد قال النسابة الشهير جمال الدين أحمد بن علي بن
الحسين بن علي بن مهنا بن عنبة الأصغر الداودي الحسني المتوفى سنة 828 ه ، في
كتابه ( عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب : ص 196 ) طبع النجف الأشرف
سنة 1358 ه ، في ترجمته للشريف الرضي : ( . . . كانت له هيبة وجلالة وفيه ورع
وعفة وتقشف . . . . ) .
وقضايا الشريف مع الخلفاء والوزراء برهان شهامته ، ونزاهة ضميره ،
وصدقه في شعوره ، فكيف يجرأ مجترئ عليه ؟ فيحمله على أنه - في تأليفه لنهج
البلاغة - كان مدفوعا بدوافع العصبية ، فما الذي دفعه إلى تجشم التأليف ؟ وليس
الرضي بدعا من رسل الترسل ، ولا بأول سالك نهج البلاغة من كلام أمير المؤمنين
- عليه السلام - والاستضاءة بنبراسه ، فقد سبقته قوافل من رواد العبقرية الانشائية
مسترشدين بكلم علي - عليه السلام - وخطبه وكتبه ، فقد قال عبد الحميد بن
يحيى بن سعد العامري الكاتب المشهور الذي هو من أئمة الكتاب وعلماء الأدب
المتوفى سنة 132 ه : ( حفظت سبعين خطبة من خطب الأصلع ففاضت ثم فاضت )
يعني بالأصلع : الامام عليا - عليه السلام - ، وقال أبو يحيى عبد الرحيم بن محمد
ابن إسماعيل بن نباتة الفارقي - صاحب الخطب المعروفة - الملقب بالخطيب المصري
والمتوفى سنة 374 ه : ( حفظت من الخطب كنزا لا يزيده الانفاق إلا سعة ،
حفظت مائة فصل من مواعظ علي بن أبي طالب ) وكم زين الجاحظ أبو عثمان عمرو
ابن بحر بن محبوب الليثي البصري اللغوي النحوي ، الشهير المتوفى بالبصرة سنة
255 ه ، كتبه مثل ( البيان والتبيين ) بفصول من خطب أمير المؤمنين - عليه السلام -
إعجابا بها ، وإعدادا للنفوس لبلوغ أقصى البلاغة .
ولو كان قلم الشريف الرضي يحمل شيئا من التعصب في المذهب لما أثبت في
كتابه تأبين علي لعمر ( رض ) بأعلى ما يمدح به ممدوح ، بقول : ( لله بلاد عمر . . . )
الخ ، وكان للشريف الرضي مندوحة من حذفه .
فما بال بعض ذوي الأغراض الممقوتة يقدحون في ( نهج البلاغة ) لمجرد
تأثرهم مما في الخطبة ( الشقشقية ) وحدهما ، فان هذه الخطبة أثبتها كثير من أدباء
عصر الرضي وأرسلوا نسبتها إلى علي - عليه السلام - إرسال المسلمات ، وأثبتوها
في مدوناتهم ، ولو كانت ( الشقشقية ) وليدة عصرهم لعرفوا أمرها وتثبتوا في
إسنادها شأن المعاصر مع معاصريه ، وممن روى الخطبة ( الشقشقية ) قبل الرضي
رئيس المعتزلة أبو علي محمد بن عبد الوهاب الجبائي المتوفى سنة 303 ه في كتابه
والحسن بن عبد الله بن سعيد العسكري المتوفى سنة 395 ه في كتاب المواعظ
والزواجر ، والصدوق في معاني الأخبار ، والشيخ المفيد في الارشاد .
يقول عبد الحميد بن أبي الحديد المعتزلي في آخر شرحه للشقشقية ( ج 1 ص 69 )
( حدثني شيخي أبو الخير مصدق بن شبيب سنة 603 ه ، قال : قرأت على
الشيخ أبي محمد عبد الله بن أحمد المعروف بابن الخشاب هذه الخطبة - إلى أن قال -
فقلت له : أتقول : إنها منحولة ؟ فقال : لا والله ، وإني لأعلم أنها كلامه - عليه
السلام - كما أعلم أنك ( مصدق ) قال : فقلت له : إن كثيرا من الناس يقولون
إنها من كلام الرضي ، فقال : أنى للرضي ولغير الرضي هذا النفس وهذا الأسلوب
قد وقفنا على رسائل الرضي وعرفنا طريقته وفنه في الكلام المنثور ، وما يقع مع
هذا الكلام في خل ولا خمر - ثم قال - : والله لقد وقفت على هذه الخطبة في كتب
صنفت قبل أن يخلق الرضي بمائتي سنة ، ولقد وجدتها مسطورة ، أعرفها وأعرف
خطوط من هي من العلماء وأهل الأدب ، قبل أن يخلق النقيب أو أحمد والد الرضي )
قال ابن أبي الحديد : ( قلت : ووجدت أنا كثيرا من هذه الخطبة في تصانيف
شيخنا أبي القاسم البلخي إمام البغداديين من المعتزلة ، وكان في دولة المقتدر قبل
أن يخلق الرضي بمدة طويلة ، ووجدت أيضا كثيرا منها في كتاب أبي جعفر بن
قبة أحد متكلمي الإمامية ، وهو الكتاب المشهور المعروف بكتاب ( الانصاف )
وكان أبو جعفر - هذا - من تلامذة الشيخ أبي القاسم البلخي ، ومات في ذلك العصر
قبل أن يكون الرضي موجودا ) .
وقال أستاذ الحكماء ميثم بن علي بن ميثم البحراني المتوفى سنة 679 في شرحه
لنهج البلاغة - عند شرحه للخطبة الشقشقية - ( ج 1 ص 252 ) طبع إيران سنة
1378 ه : ( قد وجدتها - أي الخطبة الشقشقية - في موضعين تاريخها قبل مولد
الرضي بمدة : ( أحدهما ) أنها مضمنة كتاب ( الانصاف ) لأبي جعفر بن قبة تلميذ
أبي القاسم البلخي أحد شيوخ المعتزلة ، وكانت وفاته قبل مولد الرضي ( الثاني )
إني وجدتها بنسخة عليها خط الوزير أبي الحسن علي بن محمد بن الفرات ، وكان
وزير المقتدر بالله ، وذلك قبل مولد الرضي بنيف وستين سنة ، والذي يغلب
على ظني أن تلك النسخة كانت كتبت قبل وجود ابن الفرات بمدة ) .
ونورد لك فيما يأتي أسماء الناقلين للشقشقية قبل الشريف الرضي - رحمه الله - :
1 - شيخ المعتزلة أبو القاسم البلخي المتوفى سنة 317 ه ، حسبما رواه ابن
أبي الحديد في شرح النهج ( ج 1 ص 69 ) طبع مصر .
2 - الشيخ أبو جعفر بن قبة من أبناء المائة الثالثة ، في كتاب ( الانصاف )
برواية ابن أبي الحديد والشيخ ميثم البحراني في شرحيهما على الشقشقية .
3 - نسخة الخطبة الشقشقية قديمة الخط عليها كتابة الوزير أبي الحسن علي بن
الفرات المتوفى سنة 312 ه ، حسبما رواه شيخ المتكلمين ابن ميثم البحراني في شرحه
لنهج البلاغة .
4 - أحمد بن محمد البرقي المتوفى سنة 274 ه ، مصنف كتاب ( المحاسن )
حسبما روى عنه الشيخ الصدوق محمد بن بابويه في كتابه ( علل الشرائع ) في الباب
الثاني والعشرين بعد المائة ، وقد طبع كتاب علل الشرائع بإيران سنة 1289 ه ،
وبالنجف الأشرف سنة 1328 ه .
5 - شيخ المؤرخين عبد العزيز بن يحيى الجلودي البصري المتوفى سنة 332 ه
حسبما رواه ابن بابويه في الباب الرابع بعد الأربعمائة من كتابه ( معاني الأخبار )
المطبوع بإيران سنة 1289 وسنة 1379 .
6 - شيخ المحدثين الحسن بن عبد الله بن سعيد العسكري من أبناء القرن
الثالث في كتابه ( المواعظ والزواجر ) حسبما روى عنه القطيفي في كتاب ( الفرقة
الناجية ) وروى عنه الصدوق بن بابويه شرح الخطبة في ( معاني الأخبار ) الباب
الرابع بعد الأربعمائة .
7 - شيخ المتكلمين ببغداد أبو عبد الله محمد بن محمد بن النعمان المفيد من
شيوخ الشريف الرضي ، في كتابه الارشاد ( ص 135 ) طبع إيران .
8 - الوزير الآبي أبو سعيد منصور المتوفى سنة 422 ه ، في كتابه نثر الدرر
9 - شيخ المعتزلة محمد بن عبد الوهاب أبو علي الجبائي المتوفى سنة 303 ه
حسبما رواه عنه الشيخ إبراهيم القطيفي في كتابه ( الفرقة الناجية ) .
هؤلاء الذين أوردوا في كتبهم الخطبة الشقشقية مروية عن الامام - علي
- عليه السلام - ممن وجدوا قبل أن يوجد الشريف الرضي - رحمه الله - ذكرهم
العلامة الكبير الحجة السيد هبة الدين الشهرستاني - أدام الله وجوده - في كتابه
( ما هو نهج البلاغة ) المطبوع بصيدا سنة 1352 ه وفي النجف الأشرف سنة 1380 .
وذكر ابن الأثير الجزري المتوفى سنة 606 ه في ( نهاية الحديث ) بمادة
( شقشق ) : ( ومنه حديث علي في خطبة له : تلك شقشقة هدرت ثم قرت ) .
وأورد العلامة الشهرستاني أيضا في كتابه المذكور ( ص 24 ) وما بعدها
طائفة من الاعلام الذين جمعوا خطب الإمام علي - عليه السلام - قبل جمع الرضي
من أبناء المائة الأولى والمائة الثانية ، والمائة الثالثة ، وما بعدها ، وأنهاهم إلى خمسة
عشر علما من الاعلام ، ثم قال : ( فإذا وقفت على هؤلاء الجماهير من حملة الآثار
وثقات النقلة ، وقدرت الاهتمام العظيم من السلف بحفظ الخطب واستظهارها ،
واستنساخ الكتب والرسائل ممن قصصنا عليك أسماءهم ، ومنهم من لم نقصص
عليك - وربما كان هذا القسم أكثر - انجلت عن قلبك غيوم الشبهة التي يأتي بها من
هنا وهناك الشاكون والمنحرفون ) .
وأما الناقلون لخطبه بعد الشريف فهم لا يحصون كالقاضي القضاعي في
دستور الحكم ، وأخطب خوارزم موفق بن أحمد في مناقبه ، والكنجي الشافعي في
كفاية الطالب ، وابن طلحة الشافعي في مطالب السؤل ، وابن الجوزي في المدهش
والكراچكي في فوائده ، وغيرهم في غيرها كثير .