وفي ( الوجيزة ) : إبراهيم بن موسى بن جعفر ، ممدوح ( 1 ) وكأنه أخذ
المدح من هاهنا ( 2 ) وقد كان أبو الحسن موسى - عليه السلام - أوصى
إلى ابنه علي - عليه السلام - وأفرده بالوصية في الباطن ، وضم إليه في
الظاهر : إبراهيم ، والعباس ، والقاسم ، وإسماعيل ، واحمد ، وأم احمد
وفي حديث وصيته - عليه السلام - على ما في الكافي ، والعيون - :
" وانما أردت بادخال الذين أدخلت معه من ولدي ، التنويه بأسمائهم
والتشريف لهم ، وأن الامر إلى علي ( عليه السلام ) إن رأى أن يقر
إخوته الذين سميتهم في كتابي هذا ، أقرهم ، وان كره ، فله أن يخرجهم
فان آنس منهم غير الذي فارقتهم عليه ، فأحب ان يردهم في ولاية
فذاك له " .
وفي هذا الحديث : أن إخوة الرضا عليه السلام نازعوه وقدموه إلى
أبي عمران الطلحي ، قاضي المدينة ، وابرزوا وجه أم احمد في مجلس
القاضي . وكان العباس بن موسى هو الذي تولى خصومته ، وأسماء الأدب
معه ومع أبيه ، وفض خاتم الوصية الذي نهى عليه السلام عن فضه ولعن
من يفضه . وقال للرضا عليه السلام - في آخر كلامه - : " ما أعرفني
بلسانك ، وليس لمسحاتك عندي طين " . وفيه منتهى الذم للعباس وإخوته
الذين وافقوه على خصومة الرضا عليه السلام ، ومخالفته ومنازعته ( 3 )
هامش
( 1 ) انظر ( وجيزة المجلسي ) الملحق بالخلاصة للعلامة الحلي ( ص 145 )
طبع إيران سنة 1312 ه .
( 2 ) اي مما ذكره آنفا الشيخ المفيد في الارشاد ، والطبرسي في
إعلام الورى .
( 3 ) والحديث طويل نذكره بنصه : توضيحا للقصة - كما في أصول
الكافي : 1 / 316 ط إيران - : " 15 - أحمد بن مهران عن محمد بن
علي ، عن أبي الحكم ، قال : حدثني عبد الله بن إبراهيم الجعفري وعبد
الله بن محمد بن عمارة ، عن يزيد بن سليط ، قال : لما أوصى أبو إبراهيم
عليه السلام ، اشهد : إبراهيم بن محمد الجعفري وإسحاق بن محمد الجعفري
وإسحاق بن جعفر بن محمد ، وجعفر بن صالح ، ومعاوية الجعفري ، ويحيى بن
الحسين بن زيد بن علي ، وسعد بن عمران ، الأنصاري ، ومحمد بن الحارث
الأنصاري ، ويزيد بن سليط الأنصاري ، ومحمد بن جعفر بن سعد الأسلمي
- وهو كاتب الوصية الأولى - أشهدهم : انه يشهد أن لا إله إلا الله
وحده لا شريك له ، وأن محمدا عبده ورسوله ، وان الساعة آتية لا ريب
فيها ، وان الله يبعث من في القبور ، وان البعث بعد الموت حق ، وان
الوعد حق ، وان الحساب حق ، والقضاء حق ، وان الوقوف بن يدي
الله حق وان ما جاء به محمد ( ص ) حق ، وان ما نزل به الروح الأمين
حق . على ذلك أحيى وعليه أموت ، وعليه ابعث إن شاء الله . وأشهدهم :
ان هذه وصيتي بخطي ، وقد نسخت وصية جدي أمير المؤمنين علي بن أبي
طالب عليه السلام ، ووصية محمد بن علي - قبل ذلك - نسختها حرفا
بحرف ، ووصية جعفر بن محمد على مثل ذلك .
وإني قد أوصيت إلى علي ، وبني - بعد - معه ، إن شاء وآنس
منهم رشدا وأحب ان يقرهم . فداك له ، وان كرههم وأحب ان يخرجهم
فذاك له ، ولا امر لهم معه . وأوصيت إليه بصدقاتي وأموالي وموالي
وصبياني الذين خلفت وولدي ، وإلى إبراهيم والعباس وقاسم وإسماعيل واحمد
وأم احمد . وإلى علي امر نسائي دونهم ، وثلث صدقة أبي وثلثي ، يضعه
حيث يرى ، ويجعل فيه ما يجعل ذو المال في ماله . فان أحب ان يبيع
أو يهب أو ينحل أو يتصدق بها على من سميت له ، وعلى غير من سميت
فذاك له . وهو انا في وصيتي في مالي وفى أهلي وولدي ، وان رأى أن
يقر إخوته الذين سميتهم في كتابي هذا ، أقرهم ، وإن كره فله ان
يخرجهم غير مثرب عليه ولا مردود ، فان انس منهم غير الذي فارقتهم
عليه فأحب ان يردهم في ولاية ، فذاك له ، وان أراد رجل منهم ان يزوج
أخته فليس له ان يزوجها إلا باذنه وأمره ، فإنه اعرف بمناكح قومه .
وأي سلطان أو أحد من الناس كفه عن شئ أو حال بينه وبين شئ مما
ذكرت في كتابي هذا أو أحد ممن ذكرت ، فهو من الله ورسوله برئ
والله ورسوله منه براء ، وعليه لعنة الله وغضبه ولعنة اللاعنين والملائكة
المقربين ، والنبيين والمرسلين وجماعة المؤمنين . وليس لأحد من السلاطين
ان يكفه عن شئ ، وليس لي عنده تبعة ولا تباعة ، ولا لأحد من ولدي
له قبلي مال ، فهو مصدق فيما ذكر ، فان أقل فهو أعلم ، وان أكثر فهو
الصادق كذلك . وانما أردت بادخال الذين أدخلتهم معه من ولدي التنويه
بأسمائهم والتشريف لهم . وأمهات أولادي من أقامت منهن في منزلها وحجابها
فلها ما كان يجري عليها في حياتي إن رأى ذلك . ومن خرجت منهن
إلى زوج ، فليس لها ان ترجع إلى محواي ، إلا أن يرى علي غير ذلك .
وبناتي بمثل ذلك ، ولا يزوج بناتي أحد من اخوتهن من أمهاتهن ولا
سلطان ولا عم ، الا برأيه ومشورته . فان فعلوا غير ذلك فقد خالفوا الله
ورسوله ، وجاهدوه في ملكه ، وهو اعرف بمناكح قومه ، فان أراد أن
يزوج زوج ، وان أراد أن يترك ترك . وقد أوصيتهن بمثل ما ذكرت
في كتابي هذا ، وجعلت الله عز وجل عليهن شهيدا . وهو وأم احمد
شاهدان ، وليس لأحد ان يكشف وصيتي ، ولا ينشرها ، وهو منها
على غير ما ذكرت وسميت " فمن أساء فعليه ومن أحسن فلنفسه ، وما
ربك بظلام للعبيد " وصلى الله على محمد وعلى آله . وليس لأحد من سلطان
ولا غيره ان يفض كتابي هذا الذي ختمت عليه الأسفل . فمن فعل ذلك
فعليه لعنة الله وغضبه ولعنة اللاعنين والملائكة المقربين وجماعة المرسلين
والمؤمنين من المسلمين ، وعلى من فض كتابي هذا .
وكتب ، وختم أبو إبراهيم والمشهود ، وصلى الله على محمد وعلى آله .
قال أبو الحكم : فحدثني عبد الله بن آدم ( والظاهر عبد الله بن
إبراهيم ) الجعفري عن يزيد بن سليط ، قال : كان أبو عمران الطلحي
قاضي المدينة ، فلما مضى موسى ، قدمه إخوته إلى الطلحي القاضي ، فقال
العباس بن موسى : أصلحك الله وأمتع بك ، إن في أسفل هذا الكتاب
كنزا وجوهرا . ويريد ان يحتجبه ويأخذه دوننا ، ولم يدع أبونا - رحمه
الله - شئ إلا ألجأه إليه ، وتركنا عالة ، ولولا أني اكف نفسي لأخبرتك
بشئ على رؤوس الملأ . فوثب إليه إبراهيم بن محمد ، فقال : إذا والله
تخبر بما لا نقبله منك ولا نصدقك عليه ، ثم تكون عندنا ملوما مدحورا
نعرفك بالكذب صغيرا وكبيرا ، وكان أبوك اعرف بك لو كان فيك خير
وان كان أبوك لعارفا بك في الظاهر والباطن ، وما كان ليأمنك على
تمرتين . ثم وثب إليه إسحاق بن جعفر عمه فأخذ بتلابيبه ، فقال له : إنك
لسفيه ضعيف أحمق ، اجمع هذا مع ما كان بالأمس منك . واعانه القوم أجمعون .
فقال أبو عمران القاضي لعلي : قم يا أبا الحسن ، حسبي ما لعنني
أبوك اليوم ، وقد وسع لك أبوك ، ولا والله ما أحد اعرف بالولد من
والده ، ولا والله ما كان أبوك عندنا بمستخف في عقله ولا ضعيف في
رأيه ، فقال العباس للقاضي : أصلحك الله ، فض الخاتم ، واقرأ ما تحته
فقال أبو عمران : لا أفضه ، حسبي ما لعنني أبوك اليوم ، فقال العباس :
فانا أفضه ، فقال : ذاك إليك ففض العباس الخاتم ، فإذا فيه اخراجهم ، وإقرار
على لها وحده ، وإدخاله إياهم في ولاية علي ان أحبوا أو كرهوا ، واخراجهم
من حد الصدقة وغيرها . وكان فتحه عليهم بلاء وفضيحة وذلة ، ولعلي ( ع )
خيرة . وكان في الوصية التي فض العباس تحت الخاتم هؤلاء الشهود : إبراهيم
ابن محمد وإسحاق بن جعفر ، وجعفر بن صالح ، وسعيد بن عمران . وابرزوا وجه
أم احمد في مجلس القاضي ، وادعوا انها ليست إياها حتى كشفوا عنها وعرفوها
فقالت - عند ذلك - : قد - والله - قال سيدي هذا : انك ستؤخذين
جبرا وتخرجين إلى المجالس . فزجرها إسحاق بن جعفر ، وقال : اسكني
فان النساء إلى الضعف ، ما أظنه قال من هذا شيئا .
ثم إن عليا ( ع ) التفت إلى العباس ، فقال : يا أخي ، إني اعلم أنه
إنما حملكم على هذه : الغرائم الديون التي عليكم ، فانطلق يا سعيد ، فتعين
لي ما عليهم ، ثم اقض عنهم . ولا والله - لا ادع مؤاساتكم وبركم ما مشيت على
الأرض ، فقولوا ما شئتم ، فقال العباس : ما تعطينا الا من فضول أموالنا وما لنا عندك
أكثر . فقال قولوا ما شئتم ، فالعرض عرضكم ، فان تحسنوا فذاك لكم
عند الله ، وان تسيئوا ، فان الله غفور رحيم ، والله إنكم لتعرفون انه
مالي - يومي هذا - ولد ولا وارث غيركم ، ولئن حبست شيئا مما تظنون أو
ادخرته ، فإنما هو لكم ومرجعه إليكم ، والله ما ملكت - منذ مضى أبوكم
رضي الله عنه - شيئا إلا وقد سيبته حيث رأيتم . فوثب العباس فقال :
والله ما هو كذلك ، وما جعل الله لك من رأى علينا ، ولكن حسد
أينا لنا وإرادته ما أراد مما لا يسوغه الله إياه ولا إياك . وانك لتعرف اني
اعرف صفوان بن يحيى - بياع السابري بالكوفة - ولئن سلمت لأغصصنه
بريقه ، وأنت معه ، فقال علي عليه السلام : لا حول ولا قوة إلا بالله
العلي العظيم . اما انى - يا إخوتي - فحريص على مسرتكم ، الله يعلم .
اللهم إن كنت تعلم انى أحب صلاحهم ، واني بار بهم ، واصل لهم رفيق
عليهم ، أعني بأمورهم ليلا ونهارا ، فاجزني به خيرا ، وإن كنت على غير
ذلك ، فأنت علام الغيوب فاجزني به ما انا أهله - إن كان شرا فشرا :
وإن كان خيرا فخيرا - اللهم أصلحهم وأصلح لهم ، واخسأ عنا وعنهم
الشيطان ، وأعنهم على طاعتك ، ووفقهم لرشدك . اما انا - يا أخي -
فحريص على مسرتكم ، جاهد على صلاحكم ، والله على ما نقول وكيل .
فقال العباس : ما أعرفني بلسانك ، وليس لمسحاتك عندي طين . فافترق
القوم على هذا . . . " .
وانظر نص الوصية المذكورة - أيضا - بطولها في عيون أخبار الرضا
عليه السلام ، لابن بابويه الصدوق - رحمه الله - ( ج 1 ص 33 - 37 )
باب ( 5 ) طبع إيران ( قم ) سنة 1377 ه ، مع اختلاف يسير .