ثم تسرع إلى موضعها الذي طلعت منه . تذهب الريح إلى الجنوب وتدور إلى الشمال ، تدور
وتطوف في مسيرها ثم إلى مداورها تعود الريح ! جميع الأنهار تجري إلى البحر والبحر ليس
بملآن ثم إلى الموضع الذي جرت منه الأنهار إلى هناك تعود لتجري أيضا ! )
وإذا سمعته أيضا يقول :
أنا وردة الشارون وسوسنة الأودية ، كالسوسنة بين الشوك كذلك خليلتي بين البنات .
كالتفاحة في أشجار الغابة كذلك حبيبي بين البنين . قد اشتهيت فجلست في ظله وثمره
حلو في حلقي . قد ظهرت الزهور في الأرض ووافى أوان القضب وسمع صوت اليمامة
في أرضنا .
( يا حمامتي التي في نخاريب الصخر وفي خفايا المعاقل أريني محياك ، أسمعيني صوتك فإن
صوتك لطيف ومحياك جميل ، إلى أن ينسم النهار وتنهزم الظلال . عد يا حبيبي وكن كالظبي
أو كغفر الأيلة على جبال باتر .
( جميلة أنت يا خليلتي ! جميلة أنت وعيناك كحمامتين من وراء نقابك ، وشعرك
كقطيع معز يبدو من جبل جلعاد .
شفتاك كسمط من القرمز ونطقك عذب . خداك كفلقة رمانة من وراء نقابك .
عنقك كبرج داود المبني للسلاح الذي علق فيه ألف مجن ، جميع تروس الجبابرة . إلى
أن ينسم النهار وتنهزم الظلال أنطلق إلى جبل المر وإلى تل اللبان . هلمي معي من لبنان
أيتها العروس . معي من لبنان انظري من رأس أمانة من رأس حرمون من مرابض الأسود
من جبال النمور . شفتاك تقطران شهدا أيتها العروس وتحت لسانك عسل ولبن وعرف
ثيابك كعرف لبنان .
عين جنات وبئر مياه حية وأنهار من لبنان ، هبي يا شمال وهلمي يا جنوب انسمي
على جنتي فتنسكب أطيابها ! )
إذا أنت سمعت ذلك ووعيته وعيا صحيحا ، أدركت أن سليمان ينهل شعره من المنهل
ذاته الذي ارتوى منه المسيح وإن اختلف الموضوع .
ومن ذلك قول فيكتور هيغو ، أحد عظماء الفنانين الذين نبغوا بعد الثورة الفرنسية ، وهو
روائع نهج البلاغة — صفحة 19
مساهمون: جورج جرداق
ص١٩