رسالة في أصالة البراءة
بسم اللَّه الرّحمن الرّحيم
فائدة في أصالة البراءة
وقبل الشروع لا بد من مقدّمة وهي أنّ الحكم قسمان : واقعي وظاهري .
والمراد من الأوّل :
حكم الشيء من حيث هو مع قطع النظر عن علم المكلَّف وجهله به ، الثابت في نفس الأمر ، الذي لا يرتفع بقيام امارة على خلافه ، ولا يعقل إناطته باعتقاد المكلَّف علما أو ظنا ، لاستلزام الدور .
ومن الثاني :
حكم الفعل حال الجهل بالأوّل ، سواء كان الجهل بالحكم مأخوذا في موضوعه ، بأن دلّ المثبت له على أن موضوعه الشيء بعنوان انه مجهول الحكم « 1 » ، أو لم يكن كذلك ، بل كان الدليل المثبت له يقتضي ثبوته له مطلقا ،
هامش
« 1 » الدليل الدالّ على الأحكام الواقعية الثانوية ، أعني بها الأحكام المجعولة حال الشكّ في الأحكام الواقعية الأولية ، ويعبّر عنها أيضا بالأحكام الظاهرية يسمّى أصلا ، والدليل الدالّ على الأحكام الواقعية علما أو ظنّا يسمّى دليلا .
وشأن الثاني تقديمه على الأوّل أبدا ، علميّا كان أو ظنيّا .
أما الأوّل : فواضح لكونه رافعا لموضوع الحكم المدلول عليه بالدليل الأوّل ، أعني به الشك .
وأمّا غير العلمي : فإن كان ذلك منه الحكم الثانوي الثابت في مورده مأخوذا في دليله عدم البيان ، حتّى البيان الشرعي ، لا مجرّد الشك كحكم البراءة ، والاحتياط ، والتخيير .
ان قلنا بانحصار دليلها في الدليل العقلي ، كان دليل اعتبار ذلك الدليل أيضا الوارد رافعا لموضوع الحكم ، لتحقق البيان الشرعي بوروده ، وان لم يرتفع الشك به ، والَّا كان الوجه في التقديم هو الحكومة ، أي حكومة دليل اعتبار الدليل على الأصل لأن المستفاد من أدلَّة حجيّة خبر العادل تنزيل أخباره منزلة الأمارة العلميّة في الحكم ، بعدم تحقّق الشك معه ، فيكون حاكما على الأصل ، مضافا إلى الإجماع على عدم التفرقة في اعتبار الدليل ، بين أن يكون في مورده أصل أم لا ، وأنّه ان كان معتبرا فهو معتبر في كلا الفرضين وإلَّا فلا . فلو أريد حينئذ ارتكاب التخصيص في جانب الدليل لزم طرحه من أصله بخلاف الأصل ، فإنّه لم ينعقد في جانبه مثل هذا الإجماع حتّى يلزم من تخصيصه الطرح كليّة فلا بدّ من ارتكاب التخصيص في جانبه لأنّه أولى من الطرح . ( منه رحمه اللَّه ) .