ولو أنه قرر إلغاء استرقاق الأسرى لكان هذا إجراء مقصورا على الأسرى
الذين يقعون في أيدي المسلمين ، بينما الأسارى المسلمون يلاقون مصيرهم
السئ في عالم الرق هناك . وفي هذا إطماع لأعداء الإسلام في أهل الإسلام .
ولو أنه قرر تحرير نسل الأرقاء الموجود فعلا قبل أن ينظم الأوضاع
الاقتصادية للدولة المسلمة ولجميع من تضمهم ، لترك هؤلاء الأرقاء بلا مورد
رزق ولا كافل ولا عائل ، ولا أواصر قربى تعصمهم من الفقر والسقوط الخلقي
الذي يفسد حياة المجتمع الناشئ . . لهذه الأوضاع القائمة العميقة الجذور
لم ينص على استرقاق الأسرى ، بل قال : " فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب
الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق ، فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع
الحرب أوزارها " . ولكنه كذلك لم ينص على عدم استرقاقهم . وترك الدولة
المسلمة تعامل أسراها حسب ما يقتضيه طبيعة موقفها . فتفادي من تفادي من
الأسرى من الجانبين ، وتتبادل الأسرى من الفريقين ، وتسترق من تسترق
وفق الملابسات الواقعية في التعامل مع أعدائها المحاربين .
وبتجفيف موارد الرق الأخرى ( وكانت كثيرة جدا ومتنوعة ) يقل العدد
وهذا العدد القليل أخذ الإسلام يعمل على تحريره بمجرد أن ينضم إلى الجماعة
المسلمة ويقطع صلته بالمعسكرات المعادية . فجعل للرقيق حقه كاملا في طلب
الحرية بدفع فدية عنه يكاتب عليها سيده . ومنذ هذه اللحظة التي
يريد فيها الحرية يملك حرية العمل وحرية الكسب والتملك ،
فيصبح أجر عمله له ، وله أن يعمل في غير خدمة سيده ليحصل على فديته
( أي أنه يصبح كيانا مستقلا ويحصل على أهم مقومات الحرية فعلا ) ثم يصبح
له نصيبه من بيت مال المسلمين في الزكاة . والمسلمون مكلفون بعد هذا أن
يساعدوه بالمال على استرداد حريته . . وذلك كله غير الكفارات التي تقتضي
شرح رسالة الحقوق — صفحة 443
مساهمون: الإمام زين العابدين ( ع )
ص٤٤٣