المليون من الدنانير ، ومن ملك الدرهم الواحد ، ومن لم يملك شيئا ، كما
يتساوى الناس جميعا في ذهاب كبريائهم الإنسانية بالصلاة التي يفرضها الإسلام
على كل مسلم ، وفي ذهاب تفاوتهم الاجتماعي بالحج الذي يفرضه على من
استطاع .
فقر إجباري يراد به إشعار النفس الإنسانية بطريقة عملية واضحة كل
الوضوح ، أن الحياة الصحيحة وراء الحياة لا فيها ، وأنها إنما تكون على أتمها
حين يتساوى الناس في الشعور لا حين يختلفون ، وحين يتعاطفون بإحساس
الألم الواحد لاحين يتنازعون بإحساس الأهواء المتعددة .
ولو حققت رأيت الناس لا يختلفون في الإنسانية بعقولهم ، ولا بأنسابهم
ولا بمراتبهم ، ولا بما ملكوا ، وإنما يختلفون ببطونهم وأحكام هذه البطون
على العقل والعاطفة ، فمن البطن نكبة الإنسانية ، وهو العقل العملي وعلى
الأرض ، وإذا اختلف البطن والدماغ في ضرورة ، مد البطن مدة من قوى
الهضم فلم يبق ولم يذر .
ومن ههنا يتناوله الصوم بالتهذيب والتأديب والتدريب ، ويجعل الناس
فيه سواء : ليس لجميعهم إلا شعور واحد وحس واحد وطبيعة واحدة ، ويحكم
الأمر فيحول بين هذا البطن وبين المادة ، ويبالغ في إحكامه فيمسك حواشيه
العصبية في الجسم كله يمنعها تغذيتها ولذتها حتى نفثة من دخينة .
وبهذا يضع الإنسانية كلها في حالة نفسية واحدة تتلبس بها النفس في
مشارق الأرض ومغاربها ، وينطلق في هذه الإنسانية كلها صوت الروح يعلم
الرحمة ويدعو إليها ، فيشبع فيها بهذا الجوع فكرة معينة هي كل ما في مذهب
الاشتراكية من الحق ، وهي تلك الفكرة التي يكون عنها مساواة الغني للفقير
من طبيعته ، واطمئنان الفقير إلى الغني بطبيعته ، ومن هذين ( الاطمئنان
شرح رسالة الحقوق — صفحة 327
مساهمون: الإمام زين العابدين ( ع )
ص٣٢٧