فنقول : لا ريب في وجود الجسم ذي الإبعاد الثلاثة . ثم هذا لمعلوم حسا
يقبل الانفكاك قطعا ، لكن هل ينتهي تفكيكه إلى حد لا تقبل أجزاؤه الانفكاك
حتى يكون ما منه تألف الجسم أجزاء متناهية كل واحد منها غير قابل للانفكاك ،
أم يقبل انقسامات لا نهاية لها بالفعل ، أو بالقوة .
قال المتكلمون بالأول وسموا ما لا يقبل التجزئة جوهرا .
وقال النظام ( 2 ) بالثاني .
وأكثر الفلاسفة على الثالث . وزعم هؤلاء أن كل جسم مفروض فهو
واحد بالفعل كما هو في الحس لا تجزئة فيه بالفعل مع قبوله بالقوة ما لا نهاية له
من التجزئة . وليس عندهم حجم إلا جسم ، لأنه لا ينفك من المقدار والأبعاد
المتقاطعة على قائمتين .
واعلم أن إثبات ما ذهب إليه كل واحد من الفريقين عسر ، لكنا نقول
قبل الشروع في تحقيق الاختيار :
زعم الفلاسفة أن كل حجم مركب من مادة وصورة ، وأن الصورة بها
تصير المادة محسوسة ، ثم الصورة ليست داخلة في حد ذات المادة . فهي تقبل
الصورة الجسمية وإن تعاظمت الصور .
والمتكلمون يزعمون أن كل جوهر له قدر من الحجمية لازمة لجوهريته
عند وجوده لزوما ذاتيا ، وتلك الحجمية لا أصغر منها ، وأن التعاظم ليس إلا
بانضمام الأجزاء لا لمقدار يقوم بالجسم .
وزعم الفلاسفة أن الاتصال ارتفاع المفاصل بين المتلاقيات بحيث تعود
نهاية كل واحد بداية للآخر .
هامش
( 2 ) هو أبو إسحاق إبراهيم بن سيار البصري من أئمة المعتزلة متكلم أديب شاعر ، توفي سنة 231
راجع هدية الأحباب للمحدث القمي ص 273 والأعلام للزركلي 1 / 43 .