وقد لاحظت على الدكتور أنه يرى للخليفتين - " أبو بكر وعمر " منزلة خاصة
فقلت :
إن عمر قد تجرأ على الرسول ، وتحداه ووقف دون وصيته ، ونسب إليه ما نسب
له عند مرضه .
روى البخاري عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال : يوم الخميس وما
يوم الخميس اشتد برسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وجعه وتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع
فقالوا : ما شأنه أهجر ؟ استفهموه فذهبوا يردون عليه " الحديث " ( 1 ) .
قال الدكتور : حاشا لعمر أن يقول هذا ، وهذا الحديث غير صحيح .
فأجبته : يا دكتور : الحديث الذي يوافقك تأخذ به ، والذي يخالفك ترفضه
وتحكم بعدم صحته ، فإما أن تعترف بصحة ما جاء بالبخاري ، وإما أن تحكم بعدم
صحته ولا تستشهد به وإن ابن عباس ( 2 ) كان يقول :
هامش
( 1 ) صحيح البخاري : 6 / 11 .
( 2 ) محاورة بين ابن عباس وعمر بن الخطاب .
قال أبو جعفر بن محمد بن جرير الطبري :
. . . فقال عمر يا بن عباس :
أتدري ما منع قومكم منهم بعد محمد فكرهت أن أجيبه . فقلت : إن لم أكن أدري فأمير
المؤمنين يدري فقال عمر :
كرهوا أن يجمعوا لكم النبوة والخلافة فتبجحوا على قومكم بجحا بجحا فاختارت قريش
لأنفسها فأصابت ، ووفقت .
فقلت يا أمير المؤمنين :
إن تأذن لي في الكلام ، وتمط عني الغضب تكلمت فقال تكلم يا بن عباس :
فقلت : أما قولك يا أمير المؤمنين اختارت قريش لأنفسها فأصابت ، ووفقت ، فلو أن قريشا
اختارت لأنفسها حيث اختار الله عز وجل لها لكان الصواب بيدها ، غير مردود ، ولا محسود .
وأما قولك إنهم كرهوا أن تكون لنا النبوة ، والخلافة فإن الله عز وجل وصف قوما
بالكراهية فقال : * ( ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم ) * .
فقال عمر : هيهات والله يا بن عباس قد كانت تبلغني عنك أشياء كنت أكره أن أقرك عليها
فتزيل منزلتك مني . فقلت : وما هي يا أمير المؤمنين فإن كان حقا فما ينبغي أن تزيل منزلتي
منك ، وإن كان باطلا فمثلي أماط الباطل عن نفسه . فقال عمر :
بلغني أنك تقول : إنما صرفوها عنا حسدا ، وظلما فقلت :
أما قولك يا أمير المؤمنين : ظلما فقد تبين للجاهل ، والحكيم .
وأما قولك : حسدا فإن إبليس حسد آدم فنحن ولده المحسودون . فقال عمر :
هيهات أبت والله قلوبكم يا بني هاشم إلا حسدا يحول ، وضعنا ، وغشا ما يزول .
فقلت : مهلا يا أمير المؤمنين لا تصب قلوب قوم أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا
بالحسد والغش فإن قلب رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) من قلوب بني هاشم .
قال عمر : إليك عني يا بن عباس . فقلت : افعل فلما ذهبت لأقوم استحيا مني فقال يا بن
عباس مكانك فوالله إني لراع لحقك محب لما سرك .
فقلت : يا أمير المؤمنين إن لي عليك حقا وعلى كل مسلم فمن حفظه فحظه أصاب ،
ومن أضاعه فحظه أخطأ ثم قام فمضى .
أنظر تاريخ الطبري 5 / 31 ط بمصر