وجوب الغسل أو التيمم ، وليس ببعيد فهو خارج عن محل الكلام لأن كلامنا الآن في
الضرر الذي يرتفع به الحكم الشرعي الإلزامي : هذا في باب الضرر .
وأما باب الحرج فليس كذلك ، أي ارتكاب الفعل الحرجي لا حرمة فيه فليس
بمبعد ، فقياس أحدهما بالآخر لاوجه له : لأن مناط البطلان في العبادة الضررية
كالوضوء أو الغسل الضرريين ليس في العبادة الحرجية ، بل العبادة الحرجية التي يأتي
بها مع المشقة تكون آكد في العبودية ، ولعله يشير إلى هذا الحديث المشهور أن
( أفضل العبادات أحمزها ) ( 1 ) أي أشدها ، ولا شك في أن تحمل المشاق في سبيل امتثال
أوامر المولى ونواهيه ممدوح عند العقل والعقلاء ، إلا أن يكون المولى نهى عن تحمله
وإيقاع نفسه في المشقة ، فحينئذ يكون عاصيا ويكون حاله حال الفعل الضرري
ويكون خارجا عن مفروض الكلام : لأن كلامنا في ما إذا كان الحرج موجبا لرفع
الحكم الإلزامي إذا كان حرجيا ، لا فيما إذا كان الفعل الحرجي منهيا كما أن الفعل
الضرري يكون منهيا .
والحاصل : أن قاعدة الحرج وكذلك قاعدة الضرر حكم امتناني ، غاية الأمر أن
الفعل الضرر حرام بدليل آخر لا ربط له بالقاعدة ، بخلاف قاعدة الحرج فإنه ليس
هناك دليل آخر يدل على حرمة ارتكاب الفعل الحرجي .
وهذا هو السر في فتوى المشهور ببطلان الوضوء والغسل الضرري دون
الحرجي منهما .
وأما الإشكال على صحة العبادات الحرجية بأن الحرج يرتفع به الأمر كما هو
مفاد هذه القاعدة ، فيكون إتيانها بقصد الأمر تشريعا محرما .
ففيه : أن قصد الملاك كاف في عدم كونه تشريعا محرما ، كما أنه في باب الواجبين
هامش
( 1 ) راجع : ( بحار الأنوار ) ج 67 ، ص 191 ، باب النية وشرائطها ومراتبها ، ذيل ح 2 ، وص 237 ، باب
الاخلاص معنى قربه تعالى ، ذيل ح 6 .