تخالف مسحا مجازا واستعارة ، وليس هو على الحقيقة ، ولا يجوز لنا أن نصرف
كلام الله تعالى عن حقائق ظاهرة إلا بحجة صارفة .
فإن قال : ما تنكرون من أن يكون جر الأرجل في القراءة إنما هو لأجل
المجاورة لا للنسق ، فإن العرب قد تعرب الاسم بإعراب ما جاوره ، كقولهم : جحر
ضبي خرب ، فجروا خربا لمجاورته لضب ، وإن كان في الحقيقة صفة للحجر لا
للضب .
فتكون كذلك الأرجل ، إنما جرت لمجاورتها في الذكر لمجرور وهو الرؤوس ، قال
امرؤ القيس ( 30 ) :
كأن ثبيرا في عرانين وبله * كبير أناس في بجاد مزمل ( 31 )
فجر مرملا لمجاورته لبجاد ، وإن كان من صفات الكبير ، لا من صفات البجاد ،
فتكون الأرجل على هذا مغسولة ، وإن كانت مجرورة .
قلنا : هذا باطل من وجوه :
هامش
( 30 ) امرؤ القيس بن حجر بن الحارث ، أشهر شعراء العرب ، يماني الأصل ، نجدي
المولد ، من شعراء المعلقات ، توفي في سنة 80 ق ه .
طبقات فحول الشعراء 52 : 1 و 82 ، خزانة الأدب 329 : 1 ، شرح ابن أبي
الحديد 244 : 9 .
( 31 ) المعنى العام للبيت : كأن ثبيرا في أوائل مطر هذا السحاب
سيد أناس ، قد تلفف بكساء مخطط ، شبه تغطيته بالغثاء بتغطي هذا الرجل
بالكساء ، وقد جر مزمل صفة لكبير ، وكان حقها الرفع ، وإنما خفض لمجاورته
لبجاد عند بعض العلماء ، ولا ناس عند بعضهم وهو المرجح ، وقال أبو علي
الفارسي : إنه ليس على الخفض بالجوار ، بل جعل مزملا صفة حقيقية لبجاد ، قال :
لأنه أراد مزمل فيه ثم حذف حرف الجر فارتفع الضمير واستتر في اسم
المفعول ، كما أن الأقواء جار على ألسنتهم ، فيمكن أن يكون حرف الروي مرفوعا
وجر إقواء ، كما قال النابغة الذبياني :
زغم البوارح أن رحلتنا غدا * وبذاك حدثنا الغراب الأسود
لا مرحبا بغد ولا أهلا به * إن كان توديع الأحبة في غد
مغني اللبيب 669 : 2 و 895 ، ديوان امرئ القيس : 62 ، المعلقات العشر :
92 ، خزانة الأدب 98 : 5 ، لسان العرب 177 : 12 .