على كمال قدرتنا على أنواع الخلق ، فإنه تعالى خلق آدم من غير ذكر
ولا أنثى ، وخلق حواء من ذكر بلا أنثى ، وخلق عيسى من أنثى
بلا ذكر ، وخلق بقية الخلق من ذكر وأنثى . وقوله " ورحمة منا "
أي نرحم به العباد بأن يدعوهم إلى الله في صغره وكبره في طفوليته
وكهوليته ، بأن يفردوا الله بالعبادة وحده لا شريك له وينزهوه عن
اتخاذ الصاحبة والأولاد والشركاء والنظراء والأضداد والأنداد .
وقوله : " وكان أمرا مقضيا " . يحتمل أن يكون هذا من تمام
كلام جبريل معها ، يعنى أن هذا أمر قد قضاه الله وحتمه وقدره وقرره ،
وهذا معنى قول محمد بن إسحاق واختاره ابن جرير ، ولم يحك سواه
والله أعلم .
ويحتمل أن يكون قوله " وكان أمرا مقضيا " كناية عن نفخ
جبريل فيها كما قال تعالى : " ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها
فنفخنا فيه من روحنا " .
فذكر غير واحد من السلف أن جبريل نفخ في جيب درعها فنزلت
النفخة إلى فرجها فحملت من فورها كما تحمل المرأة عند جماع بعلها .
ومن قال إنه نفخ في فمها أو أن الذي كان يخاطبها هو الروح الذي ولج
فيها من فمها ، فقوله خلاف ما يفهم من سياقات هذه القصة في محالها من
القرآن ، فإن هذا السياق يدل على أن الذي أرسل إليها ملك من الملائكة
وهو جبريل عليه السلام ، وأنه إنما نفخ فيها ولم يواجه الملك الفرج بل
نفخ في جيبها فنزلت النفخة إلى فرجها فانسلكت فيه ، كما قال تعالى
قصص الأنبياء — صفحة 387
مساهمون: ابن كثير
ص٣٨٧