وفي معارج الوصول لابن تيمية : " وقال ورقة بن نوفل : إن هذا والذي
جاء به موسى ليخرجان من مشكاة واحدة ، وكذلك قال النجاشي : فالقرآن
والتوراة هما كتابان جاءا من عند الله لم يأت من عنده كتاب أهدي منهما ،
كل منهما أصل مستقل ، والذي فيهما دين واحد ، وكل منهما يتضمن إثبات
صفات الله تعالى والأمر بعبادته وحده لا شريك له ، ففيه التوحيد قولا وعملا
كما في سورتي " الكافرون " و " الاخلاص " . ( قل يا أيها الكافرون ) و ( قل هو
الله أحد ) " .
وأما الزبور فإن داود لم يأت بغير شريعة التوراة ، وإنما في الزبور ثناء
على الله ودعاء وأمر ونهي بدينه وطاعته وعبادته مطلقا ، وأما المسيح فإنه قال :
( ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم ) [ آل عمران : 50 ] فأحل لهم بعض
المحرمات وهو في الأكثر متبع لشريعة التوراة ، ولهذا لم يكن بد لمن اتبع
المسيح من أن يقرأ التوراة ويتبع ما فيها إذ كان الإنجيل تبعا لها .
وأما القرآن فإنه مستقل بنفسه لم يحوج أصحابه إلى كتاب آخر ، بل
اشتمل على جميع ما في الكتب ، من المحاسن وعلى زيادات كثيرة لا توجد في
الكتب فلهذا كان مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه ، يقرر ما فيها
من الحق ، ويبطل ما صرف منها ، وينسخ ما نسخه الله ، فيقر الدين الحق وهو
جمهور ما فيها ، ويبطل الدين المبدل الذي لم يكن فيها والقليل الذي نسخ
فيها ، فإن المنسوخ قليل جدا بالنسبة إلى المحكم المقرر ، والأنبياء كلهم دينهم
واحد ، وتصديق بعضهم مستلزم تصديق سائرهم ، وطاعة بعضهم تستلزم طاعة
سائرهم ، وكذلك التكذيب والمعصية لا يجوز أن يكذب نبي نبيا ، بل أن عرفه
صدقه ، وإلا فهو يصدق بكل ما أنزل الله مطلقا ، وهو يأمر بطاعة من أمر الله
بطاعته ، إلى كلام طويل لا يخرج عن هذا المضمون ، وقد وضح بيان السر في
تخصيص كتابي موسى ومحمد عليهما بالذكر دون سواهما ، ولكن ذلك لا ينفي
أن يكون قد عمل مؤمنو الجن بشريعة عيسى مما نسخ فيها من شريعة موسى ،
وكيف كان فإنه لا يفهم من الآية ما يؤيد زعم القادياني .
القاديانية — صفحة 181
مساهمون: الشيخ سليمان ظاهر
ص١٨١