والعقاب على المعصية وذكر ما أنزل الله من الكتب قبلي ، فانظروا هل في واحد
من الكتب أن الله أمر باتخاذ إله سواه ، فبطل بهذا البيان جواز اتخاذ معبود سواه
من حيث الأمر به " ( 1 ) ، إلى أقوال أخرى كلها تؤيد استعمال ( مع ) بمعناها وهو
المصاحبة ، فاستعمال كل من هذين الحرفين بمعنى الآخر في مواضع قليلة
شاذة لا يسوغ للمستدل تجاوز حدود الرخصة في صرف المعنى الحقيقي إلى
المعنى المجازي بدون اضطرار ولا اقتضاء ، وليس بمثل هذه الأدلة الواهنة
يثبت مطلوبه .
2 - إن حمل ( بعد ) على معنى ( مع ) في الحديث مؤد إلى جمع عمر مزايا
النبوة ، وإنما منع أن يكون نبيا أن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لا نبي بعده ، ولكن هذا لا ينفي أن
يكون نبيا بعده وهو يجمع مزايا النبوة ، بل من المفروض عليه أن يدعيها ،
وكذلك الكلام في الحديث الثاني " إلا أنه لا نبي بعدي " ومؤدي الحديثين على
هذا الحمل أشبه بالنص على نبوتهما ، فهما لم يدعيا ها ولا ادعاها لهما أحد من
المسلمين ، ثم أن منصب النبوة أعلى من منصب الخلافة ، وجمع عمر لمزايا
النبوة كان يفرض عليه أن يكون أحق بالخلافة وأن لا يدعها لمن هو دونه في
المزايا التي يساهم فيها الأنبياء .
3 - آية حكمة في العدول عن ( مع ) إلى ( بعد ) إن أريد من ( بعد ) معنى
المصاحبة في الحديثين ، وما القرينة الحالية أو المقالية على هذا التجوز إذا كان
مما يجوز وقوع مفهومه ، بل كان من الحكمة استعمال ( مع ) ( لا بعد ) منعا
للتضليل والافتتان .
4 - تبين مما تقدم انحصار استعمال ( بعد ) بمعنى ( مع ) في موارد خاصة
عند القائل بهذا الانحصار ، وإذا كانت في هذين الحديثين استعملت بمعنى
( مع ) فلماذا لم يعرض له الأئمة ولم يذكروا الحديثين من شواهد هذا
الاستعمال ؟ ولماذا لم يفهم منهما هذا المعنى أصحاب النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وهم حاضرو
هامش
( 1 ) مجمع البيان في تفسير القرآن ، ج 7 - 8 / 71 .