أبو حاتم قال حدّثنا العتبيّ عن أبيه قال : كان يقال : إذا اشتكى الرجل ثم عوفي ولم يحدث خيرا ولم يكفّ عن سوء ، لقيت الملائكة بعضها بعضا وقالت : إن فلانا داويناه فلم ينفعه الدواء . وقال أبو حاتم ( 2 ) حدّثنا القحذميّ قال : أطلع ( 3 ) معاوية في بئر بالأبواء ( 4 ) فأصابته لقوة ( 5 ) ، فاعتمّ بعمامة سوداء وسدلها على الشقّ الذي أصيب فيه ، ثم أذن للناس فقال : أيّها الناس ؛ إنّ ابن آدم بعرض بلاء : إمّا معاتب ليعتب ، وإمّا معاقب بذنب ، أو مبتلى ليؤجر ، فإن عوتبت فقد عوتب الصالحون قبلي ، وإنّي لأرجو أن أكون منهم ؛ وإن عوقبت فقد عوقب الخطَّاؤن قبلي ، وما آمن أن أكون منهم ؛ وإن مرض عضو منّي فما أحصي صحيحي ولما عوفيت أكثر ، ولو أن أمري إلى ما كان لي على ربّي أكثر مما أعطاني . وإنّي وإن كنت عاتبا على خاصّ منكم فإنّي حدب ( 6 ) على جماعتكم ، أحبّ صلاحكم . وقد أصبت بما ترون ، فرحم اللَّه امرأ دعا لي بعافية ! فرفعوا أصواتهم بالبكاء والدعاء .
عيون الأخبار — صفحة 54
مساهمون: ابن قتيبة الدينوري
ص٥٤
وقال الشاعر : [ طويل ]
إن كنت في ترك العيادة تاركا * حظَّي فإني في الدّعاء لجاهد
فلربما ترك العيادة مشفق * وأتى على غلّ الضمير الحاسد ( 1 )
هامش
( 1 ) الغلّ : الغش والحقد .
( 2 ) أبو حاتم : هو سهل بن محمّد بن عثمان الجشني السجستاني من كبار العلماء باللغة والشعر من أهل البصرة .
( 3 ) أطلع : أشرف .
( 4 ) الأبواء : قرية من أعمال الفرع من المدينة بينها وبين الجحفة مما يلي المدينة ثلاثة وعشرون ميلا ، وقيل : الأبواء : جبل عن يمين آراه ويمين الطريق للمصعد إلى مكة .
( 5 ) اللقوة : داء يصيب الوجه يعوج منه الشدق إلى أحد جانبي العنق .
( 6 ) الحدب : الشفوق العطوف .