فيما وراء ذلك الحكم محتمل للانتقال ، فإن الكلام في حكم يحتمل النسخ ، وشرط
العمل بالقياس أن يكون مبتلى بطلب الطريق باعتبار أصل الوضع شرعا ، فإذا استقر
رأيه على أن الصواب هو الآخر كان عليه أن يعمل في المستقبل . وعلى هذا
الأصل قلنا : إذا طلق إحدى امرأتيه بعينها ثم نسي أو أعتق أحد المملوكين
بعينه ثم نسي لا يثبت له خيار البيان ، لان الواقع من الطلاق والعتاق لا يحتمل
الانتقال من محل إلى محل آخر ، وإنما ثبتت المعارضة بين المحلين في حقه لجهله بالمحل
الذي عينه عند الايقاع وجهله لا يثبت الخيار له شرعا ، وبمثله لو أوجب في أحدهما
بغير عينه ابتداء كان له الخيار في البيان ، لان تعيين المحل كان مملوكا له شرعا كابتداء
الايقاع ، ولكنه بمباشرة الايقاع أسقط ما كان له من الخيار في أصل الايقاع ،
ولم يسقط ما كان له من الخيار في التعيين فيبقى ذلك الخيار ثابتا له شرعا ،
ومما يثبت فيه حكم التعارض سؤر الحمار والبغل ، فقد تعارضت الأدلة
في الحكم بطهارته ونجاسته ، وقد بينا هذا في فروع الفقه ، ولكن لا يمكن
المصير إلى القياس بعد هذا التعارض ، لان القياس لا يصلح لنصب الحكم به ابتداء
فوجب العمل بدليل فيه بحسب الامكان وهو المصير إلى الحال ، فإن الماء كان طاهرا
في الأصل فيبقى طاهرا . نص عليه في غير موضع من النوادر ، حتى قال : لو غمس الثوب
في سؤر الحمار تجوز الصلاة فيه ولا يتنجس العضو أيضا باستعماله ، لأنه عرق
طاهر في الأصل . وهذا الدليل لا يصلح أن يكون مطلقا أداء الصلاة به وحده ، لان
الحدث كان ثابتا قبل استعماله فلا يزول باستعماله بيقين ، فشرطنا ضم التيمم إليه
حتى يحصل التيقن بالطهارة المطلقة لأداء الصلاة . وكذلك الخنثى إذا لم يظهر
فيه دليل يترجح به صفة الذكورة أو الأنوثة فإنه يكون مشكل الحال يجعل بمنزلة
الذكور في بعض الأحكام وبمنزلة الإناث في البعض ، على حسب ما يدل عليه الحال
في كل حكم . وكذلك المفقود فإنه يجعل بمنزله الحي في مال نفسه حتى لا يورث عنه
وبمنزلة الميت في الإرث من الغير ، لان أمره مشكل فوجب المصير إلى الحال لأجل
الضرورة والحكم بما يدل عليه الحال في كل حادثة .
أصول السرخسي — صفحة 17
مساهمون: أبو الوفاء الأفغاني
ص١٧