واختلفوا فيما يكون من هذا النوع من العقود والعبادات . قال علماؤنا رحمهم الله :
موجب مطلق النهي فيها تقرير المشروع مشروعا وجعل أداء العبد إذا باشرها فاسدا
إلا بدليل . وقال الشافعي : موجب مطلق النهي في هذا النوع انتساخ المنهي عنه
وخروجه من أن يكون مشروعا أصلا إلا بدليل . وحجته في ذلك أن النهي ضد الامر . ثم مقتضى مطلق
الامر شرع المأمور به ، فمقتضى مطلق النهي ضده وهو انعدام
كون المنهي عنه مشروعا ، وهذا لان الحقيقة هو المراد من كل نوع حتى يقوم دليل
المجاز ، ثم الحقيقة في مطلق الامر إثبات صفة الحسن في المأمور به شرعا لعينه لا لغيره .
وكذلك الحقيقة في مطلق النهي إثبات صفة القبح في المنهي عنه لعينه لا لغيره ، وهذا
لأن المطلق ينصرف إلى الكامل دون الناقص ، فإن الناقص موجود من وجه
دون وجه ومع شبهة العدم فيه لا يثبت ما هو الحقيقة فيه ، فبهذا تبين أن المطلق
يتناول الكامل ، والكمال في الامر الذي هو طلب الايجاد بأن يحسن المأمور به
لعينه ، فكذلك الكمال فيما هو طلب الاعدام إثبات صفة القبح في إيجاده لعينه . وإذا
تقرر هذا خرج المنهي عنه من أن يكون مشروعا لمقتضى النهي وحكمه ، أما مقتضاه
فلان أدنى درجات المشروع أن يكون مباحا ، والقبيح لعينه لا يجوز أن يكون مباحا
فكذلك لا يجوز أن يكون مشروعا ، وبهذا تبين أن النهي بمعنى النسخ في إخراج
المنهي عنه من أن يكون مشروعا . وأما حكمه فوجوب الانتهاء ليكون معظما مطيعا
للناهي في الانتهاء ، ويكون عاصيا لا محالة في ترك الانتهاء ، وإنما يكون عاصيا
بمباشرة ما هو خلاف المشروع ، فعرفنا أن بالنهي يخرج من أن يكون مشروعا .
يقرره أن المنهي عنه لا يكون مرضيا به أصلا وإن كان لا تنعدم به الإرادة ،
والقضاء والمشيئة بمنزلة الكفر والمعاصي ، فإنها تكون من العباد بالإرادة والمشيئة
والقضاء ولا يكون مرضيا به ، قال الله تعالى : * ( ولا يرضى لعباده الكفر ) * والمشروع
ما يكون مرضيا به ، قال الله تعالى : * ( شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا ) * الآية ،
فبهذا تبين أن المنهي عنه غير مشروع أصلا ، ثم صفة القبح في المنهي عنه وإن كان
لمعنى اتصل به وصفا فذلك دليل على أنه لم يبق مشروعا لان ذلك الوصف لا يفارق
أصول السرخسي — صفحة 82
مساهمون: أبو الوفاء الأفغاني
ص٨٢