بالمال والواجب أحد الأنواع عند أهل الفقه ، بخلاف ما يقوله بعض المتكلمين أن
الكل واجب لاستواء الكل في صيغة الامر والتخيير لاسقاط الواجب بما يعينه
منها ، ويجعلون الامر مثل قياس النهي ، فإن مثل هذا التخيير في النهي لا يخرج حكم
النهي من أن يكون متناولا جميع ما تناوله الصيغة فكذلك الامر ، ولكنا نقول :
في النهي يتحقق وجوب الانتهاء في الكل مع ذكر حرف أو ، لان ذلك في موضع
النفي وحرف أو في موضع النفي يوجب التعميم ، قال الله تعالى : * ( ولا تطع منهم آثما
أو كفورا ) * فأما في باب الكفارة ذكر حرف أو في موضع الاثبات فإنما يفيد الايجاب
في أحد الأنواع ، ألا ترى أنه لو كفر بالأنواع كلها لم يكن مؤديا للواجب في جميعها
ويستحيل أن يكون واجبا قبل الأداء ، ثم إذا أدى يكون المؤدى نفلا لا واجبا
ويتأدى الواجب بنوع واحد ، وهذا النوع منصوص عليه فلا يكون خلفا عن غيره ،
ولو كان الكل واجبا لم يسقط الواجب في البعض بدون أدائه أو أداء ما هو خلف
عنه ، فعرفنا أن الواجب أحد الأنواع ، والتخيير ليكون الأداء بصفة اليسر ، ولهذا
تحول إلى الصوم عند العجز عن الأداء بالمال ، والمعتبر فيه العجز للحال لا تحقق
العجز بعجز مستدام في العمر ، فإن في قوله تعالى : * ( فصيام ثلاثة أيام ) * ما يدل على
أنه يعتبر العجز في الحال ، إذ لو اعتبر العجز في جميع العمر لم يتحقق أداء الصوم بعد
هذا العجز ، وكذلك التكفير بالطعام في الظهار يعتبر العجز في الحال عن التكفير
بالصوم ، ولهذا لو مرض أياما فكفر بالاطعام جاز . فتبين بهذا كله أن المعتبر
في الكفارة القدرة الميسرة للأداء ، وبعد هلاك المال لا يبقى ذلك لو بقي التكفير
بالمال عينا فجوزنا له التكفير بالصوم ، ولا تفصيل هنا بين أن يهلك المال بصنعه
أو بغير صنعه ، لان الواجب لا يصادف المال قبل الأداء ولا يجعل المال مشغولا به
فلا يكون الاستهلاك تعديا على محل مشغول بحق المستحق ، ولهذا لا يسقط بهلاك
المال حتى إنه إذا أيسر بمال آخر يلزمه التكفير بالمال ، لان القدرة الميسرة تثبت
بملك المال ولا تختص بمال دون مال ، فكان المال المستفاد فيه والمال الذي عنده
سواء ، ولهذا لا يعتبر فيه كون المال ناميا ولا يعتبر صفة الغنى فيمن يجب عليه ، لان
أصول السرخسي — صفحة 70
مساهمون: أبو الوفاء الأفغاني
ص٧٠