وإنما يتأدى بالموجود منها عند الأداء وذلك غير موجود سابقا على الأداء ، فإن
الاستطاعة لا تسبق الفعل وانعدامها عند الامر لا يمنع صحة الامر ولا يخرجه من أن
يكون حسنا بمنزلة انعدام المأمور ، فإن النبي عليه السلام كان رسولا إلى الناس كافة ،
قال الله تعالى : * ( وما أرسلناك إلا كافة للناس ) * وقال تعالى : * ( نذيرا للبشر ) * ولا شك
أنه أمر جميع من أرسل إليهم بالشرائع ثم صح الامر في حق الذين وجدوا بعده ويلزمهم
الأداء بشرط أن يبلغهم فيتمكنون من الأداء ، قال تعالى : * ( لأنذركم به ومن بلغ ) *
وكما يحسن الامر قبل وجود المأمور به يحسن قبل وجود القدرة التي يتمكن بها من
الأداء ولكن بشرط التمكن عند الأداء ، ألا ترى أن التصريح بهذا الشرط لا يعدم
صفة الحسن في الامر ، فإن المريض يؤمر بقتال المشركين إذا برئ فيكون ذلك حسنا ،
قال تعالى : * ( فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة ) * وهذا الشرط نوعان : مطلق ، وكامل .
فالمطلق أدنى ما يتمكن به من أداء المأمور به ماليا كان أو بدنيا ، لان هذا شرط وجوب
الأداء في كل أمر فضلا من الله تعالى ورحمة خصوصا في حق هذه الأمة فقد رفع
الله عنهم الحرج ووضع عنهم الأصر والأغلال ، وفي لزوم الأداء بدون هذه القدرة
من الحرج والثقل ما لا يخفى ، وعلى هذا وجوب الطهارة بالماء فإنه لا يثبت في حال
عدم الماء لانعدام هذه القدرة ، وكذلك في حال العجز عن الاستعمال إلا بحرج بأن
يخاف زيادة المرض أو العطش ، أو يلحقه نوع حرج في ماله بأن لا يباع منه بثمن
مثله ، وكذلك أداء الصلاة لا يجب بدون هذه القدرة ، ولهذا كان وجوب الأداء
بحسب ما يتمكن منه قائما أو قاعدا أو بالايماء ، وكذلك وجوب أداء الحج لا يكون
إلا بهذه القدرة بملك الزاد والراحلة ، لان التمكن من السفر الذي يتوصل به إلى الأداء
لا يكون إلا به ، وكذلك وجوب أداء الصدقة المالية لا يكون إلا بهذا الشرط ،
فإنه لا يتمكن من الأداء عبادة إلا بملك المال ، ولهذا لا يعتبر التمكن منه
بمال غيره وإن أذن له في ذلك في وجوب الأداء ، بخلاف الطهارة فصفة العبادة
هناك غير مقصودة وهنا مقصودة ، ومع ذلك صفة الغني في المؤدى معتبر هنا ،
أصول السرخسي — صفحة 66
مساهمون: أبو الوفاء الأفغاني
ص٦٦