ما صرف الامساك إلى ما هو دين في ذمته فإن ذلك أهم عنده ، وإذا كان هو بالفطر
مترخصا لان فيه رفقا ببدنه فلان يكون في صرفه إلى واجب آخر مترخصا لأنه
نظر منه لدينه كان أولى ، وعلى الطريق الأول إذا نوى النفل كان صائما عن النفل ،
وعلى الطريق الثاني يكون صائما عن الفرض لأنه في نية النفل لا يكون مترخصا
بالصرف إلى ما هو الأهم ، وفيه روايتان عن أبي حنيفة رحمه الله . فأما المريض
إذا صام كان صومه عن صوم رمضان وإن نوى عن واجب آخر أو نوى النفل ،
لان الرخصة في حق المريض إنما تثبت إذا تحقق عجزه عن أداء الصوم ، وإذا صام
فقد انعدم دليل سبب الرخصة في حقه فكان هو كالصحيح ، وأما الرخصة في حق
المسافر ، باعتبار سبب ظاهر قام مقام العذر الباطن وهو السفر ، وذلك لا ينعدم بفعل
الصوم فيبقى له حق الترخص وهو في نيته واجبا آخر مترخص كما بيناه .
وقال زفر رحمه الله : ولما تعين صوم الفرض مشروعا في هذا الزمان وركن الصوم
هو الامساك فالذي يتصور فيه من الامساك مستحق الصرف إليه فلا يتوقف الصحة
على عزيمة منه ، بل على أي وجه أتى به يكون من المستحق ، كمن استأجر خياطا
ليخيط له ثوبا بعينه بيده فسواء خاطه على قصده الإعانة أو غيره يكون من الوجه
المستحق ، ومن عليه الزكاة في نصاب بعينه إذا وهبه للفقير يكون مؤديا للزكاة وإن لم
ينو لهذا المعنى . ولكنا نقول مع تعين الصوم مشروعا منافعه التي توجد في الوقت
باقية حقا له وهو مأمور بأن يؤدي بما هو حقه ما هو مستحق عليه من العبادة ،
وذلك بأداء يكون منه على اختيار فلا يتحقق ذلك بدون العزيمة ، لأنه ما لم يعزم
على الصوم لا يكون صارفا ماله إلى ما هو مستحق عليه فإن عدم العزم ليس بشئ ،
وإنما لا يتحقق منه صرف منافعه إلى أداء صوم آخر لأنه غير مشروع في هذا
الوقت ، كما لا يتحقق منه أداء صوم بالليل لأنه غير مشروع فيه ، بخلاف الأجير
ففي أجير الواحد المستحق منافعه بعينه وفي الأجير المشترك المستحق هو الوصف
أصول السرخسي — صفحة 37
مساهمون: أبو الوفاء الأفغاني
ص٣٧