فأما مراسيل القرن الثاني والثالث حجة في قول علمائنا رحمهم الله . وقال الشافعي
لا يكون حجة إلا إذا تأيد بآية أو سنة مشهورة ، أو اشتهر العمل به من السلف ،
أو اتصل من وجه آخر . قال : ولهذا جعلت مراسيل سعيد بن المسيب حجة لأني اتبعتها
فوجدتها مسانيد . احتج في ذلك فقال : الخبر إنما يكون حجة باعتبار أوصاف في
الراوي ولا طريق لمعرفة تلك الأوصاف في الراوي إذا كان غير معلوم الأصل ، فلا تقوم
الحجة بمثل هذه الرواية ، وإعلامه بالإشارة إليه في حياته وبذكر اسمه ونسبه بعد وفاته ،
فإذا لم يذكره أصلا فقد تحقق انقطاع هذا الخبر عن رسول الله ، والحجة في الخبر
باتصاله برسول الله عليه السلام فبعد الانقطاع لا يكون حجة . ولا يقال
إن رواية العدل عنه تكون تعديلا له وإن لم يذكر اسمه ، لان طريق معرفة الجرح
والعدالة الاجتهاد ، وقد يكون الواحد عدلا عند إنسان ، مجروحا عند غيره بأن يقف
منه على ما كان الآخر لا يقف عليه ، ألا ترى أن شهود الفرع إذا شهدوا على شهادة
الأصول من غير ذكرهم في شهادتهم لا تكون شهادتهم حجة لهذا المعنى ، يوضحه
أنه قد كان فيهم من يروي عمن هو مجروح عنده على ما قال الشعبي رحمه الله : حدثني
الحارث وكان والله كذابا . فعرفنا أن بروايته عنه لا يثبت فيه ما يشترط في الراوي
فيكون خبره حجة ، ولان الناس تكلفوا بحفظ الأسانيد في باب الاخبار ، فلو كانت
الحجة تقوم بالمراسيل لكان تكلفهم اشتغالا بما لا يفيد فيبعد أن يقال اجتمع
الناس على ما ليس بمفيد . ولكنا نقول : الدلائل التي دلت على كون خبر الواحد حجة
من الكتاب والسنة كلها تدل على كون المرسل من الاخبار حجة . ثم قد ظهر
الارسال من الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم ظهورا لا ينكره إلا متعنت . أما من
الصحابة فبيانه في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ( ص ) قال :
من أصبح جنبا فلا صوم له ولما أنكرت ذلك عائشة رضي الله عنها قال هي
أعلم حدثني به الفضل بن عباس رضي الله عنهما ، فقد أرسل الرواية عن النبي
( ص ) من غير سماع منه ، وقيل إن ابن عباس ما سمع من رسول الله
( ص ) إلا بضعة عشر حديثا وقد كثرت روايته مرسلا ، وإنما كان ذلك سماعا من غير
أصول السرخسي — صفحة 360
مساهمون: أبو الوفاء الأفغاني
ص٣٦٠