لأجل عداوة ظاهرة تحمله على التقول عليه ، وهي عداوة بسبب باطل فتكون مبطلة
للشهادة ، ولهذا قلنا : الرق والأنوثة والعمى لا تقدح في العدالة أصلا وإن كانت تمنع
من قبول الشهادة أو تمكن نقصانا فيها ، لأنه لا تأثير لهذه المعاني في الحمل على ارتكاب
ما يعتقد الحرمة فيه والعدالة تبتنى على ذلك ، ولهذا لم يجعل الفاسق والمستور عدلا
مطلقا في حكم الشهادة حتى لا يجوز القضاء بشهادة الفاسق وإن كان لو قضى به
القاضي نفذ ، ولا يجب القضاء بشهادة المستور قبل ظهور حاله . وقال الشافعي رحمه الله :
ولما لم يكن خبر الفاسق والمستور حجة فخبر المجهول أحرى أن لا يكون حجة . وقلنا
نحن : المجهول من القرون الثلاثة عدل بتعديل صاحب الشرع إياه ما لم يتبين
منه ما يزيل عدالته ، فيكون خبره حجة على الوجه الذي قررنا .
وأما الاسلام : فهو عبارة عن شريعتنا ، وهو نوعان أيضا : ظاهر ، وباطن
فالظاهر يكون بالميلاد بين المسلمين والنشوء على طريقتها شهادة وعبادة . والباطن
يكون بالتصديق والاقرار بالله كما هو بصفاته وأسمائه والاقرار بملائكته وكتبه ورسله
والبعث بعد الموت والقدر خيره وشره من الله تعالى وقبول أحكامه وشرائعه . فمن
استوصف فوصف ذلك كله فهو مسلم حقيقة ، وكذلك إن كان معتقدا لذلك كله .
فقبل أن يستوصف هو مؤمن فيما بينه وبين ربه حقيقة . وقال في الجامع الكبير :
إذا بلغت المرأة فاستوصفت الاسلام فلم تصف فإنها تبين من زوجها . وقد كنا حكمنا
بصحة النكاح بظاهر إسلامها ثم يحكم بفساد النكاح حين لم تحسن أن تصف وجعل
ذلك ردة منها . وقد استقصى بعض مشايخنا في هذا فقالوا : ذكر الوصف على سبيل
الاجمال لا يكفي ما لم يكن عالما بحقيقة ما يذكر ، لان حفظ الفقه غير حفظ المعنى ،
ألا ترى أن من يذكر أن محمدا رسول الله ولا يعرف من هو لا يكون مؤمنا به ، فإن
النصارى يزعمون أنهم يؤمنون بعيسى وعندهم أنه ولد الله فلا يكون ذلك منهم معرفة
لعيسى الذي هو عبد الله ورسوله . ولكنا نقول : في المصير إلى هذا الاستقصاء حرج
بين ، فالناس يتفاوتون في ذلك تفاوتا ظاهرا ، وأكثرهم لا يقدرون على بيان تفسير
صفات الله تعالى وأسمائه على الحقيقة ، ولكن ذكر الأوصاف على الاجمال يكفي
أصول السرخسي — صفحة 352
مساهمون: أبو الوفاء الأفغاني
ص٣٥٢