والمقصود ما في باطن الكتاب لا عين الكتاب فلا يتم ضبطه إلا بمعرفة ذلك ،
ولهذا استحب المتقدمون من السلف تقليل الرواية ، ومن كان أكرمهم وأدوم
صحبة وهو الصديق رضي الله عنه كان أقلهم رواية ، حتى روي عنه أنه قال : إذا سئلتم عن
شئ فلا ترووا ولكن ردوا الناس إلى كتاب الله تعالى . وقال عمر رضي الله عنه :
أقلوا الرواية عن رسول الله ( ص ) وأنا شريككم . ولما قيل ل زيد بن أرقم
ألا تروي لنا عن رسول الله عليه السلام شيئا فقال : قد كبرنا ونسينا والرواية عن
رسول الله شديد . وقال ابن عباس رضي الله عنهما : كنا نحفظ الحديث والحديث يحفظ
عن رسول الله ( ص ) فأما إذا ركبتم الصعب والذلول فهيهات ! فقد جمع
أهل الحديث في هذا الباب آثارا كثيرة ولأجلها قلت رواية أبي حنيفة رضي الله عنه
حتى قال بعض الطاعنين إنه كان لا يعرف الحديث . ولم يكن على ما ظن ، بل كان
أعلم أهل عصره بالحديث ، ولكن لمراعاة شرط كمال الضبط قلت روايته . وبيان هذا
أن الانسان قد ينتهي إلى مجلس وقد مضى صدر من الكلام فيخفي على المتكلم حاله
لتوقفه على ما مضى من كلامه مما يكون بعده بناء عليه ، فقلما يتم ضبط هذا السامع
لمعنى ما يسمع بعد ما فاته أول الكلام ، ولا يجد في تأمل ذلك أيضا ، لأنه لا يرى
نفسه أهلا بأن يؤخذ الدين عنه ، ثم يكون من قضاء الله تعالى أن يصير صدرا يرجع
إليه في معرفة أحكام الدين ، فإذا لم يتم ضبطه في الابتداء لم ينبغ له أن يجازف
في الرواية ، وإنما ينبغي أن يشتغل بما وجد منه الجهد التام في ضبطه فيستدل بكثرة
الرواية ممن كان حاله في الابتداء بهذه الصفة على قلة المبالاة ، ولهذا ذم السلف الصالح
كثرة الرواية ، وهذا معنى معتبر في الروايات والشهادات جميعا ، ألا ترى أن من اشتهر
في الناس بخصلة دالة على قلة المبالاة من قضاء الحاجة بمرأى العين من الناس أو الاكل
في الأسواق يتوقف في شهادته . فهذا بيان تفسير الضبط .
وأما العدالة : فهي الاستقامة . يقال : فلان عادل إذا كان مستقيم السيرة
في الانصاف والحكم بالحق . وطريق عادل ، سمي به الجادة ، وضده الجور . ومنه
يقال : طريق جائر إذا كان من البنيات . ثم العدالة نوعان : ظاهرة ، وباطنة . فالظاهرة
أصول السرخسي — صفحة 350
مساهمون: أبو الوفاء الأفغاني
ص٣٥٠