والعباد يعجزون عن إظهار كل حق لهم بطريق لا يبقى فيه شك وشبهة ،
فلأجل الضرورة جوزنا الاعتماد فيها على خبر الواحد ، ولهذا سقط اعتبار اشتراط العدالة
فيه أيضا ، فأما هنا الثابت ما هو حق لله ، والله موصوف بكمال القدرة يتعالى عن أن
يلحقه ضرورة أو عجز عن إظهار حقوقه بما لا يبقى فيه شك وشبهة ، فلهذا لا يجعل
المحتمل للصدق والكذب حجة فيه . وعلى هذا تخرج الشهادات أيضا فإن القياس
فيها أن لا يكون حجة مع بقاء احتمال الكذب تركناه بالنصوص وبالمعنى الذي أشرنا إليه
أنها مشروعة لاثبات حقوق العباد ، والحاجة إليها تتجدد للعباد في كل وقت وهم يعجزون
عن إثبات كل حق لهم بما لا يكون محتملا ، ولان القول بما قلتم يؤدي إلى أن يزداد درجة
المخبر الذي هو غير معصوم عن الكذب على المخبر المعصوم عن الكذب ، يعني من ينزل عليه
الوحي ، فإن خبره في أول أمره إنما كان واجب القبول باقتران المعجزات به ، فمن
يقول بأن خبر غيره يكون مقبولا من غير دليل يقترن به فقد زاد درجة هذا المخبر
على درجة الرسول ، وأي قول أظهر فسادا من هذا ! ولا خلاف أن أصل الدين كالتوحيد
وصفات الله وإثبات النبوة لا يكون إلا بطريق يوجب العلم قطعا ولا يكون فيه شك
ولا شبهة ، فكذلك فيما يكون من أمر الدين .
وحجتنا في ذلك قوله تعالى : * ( إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات ) * الآية ،
وقال تعالى : * ( وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ) * الآية ، ففي
هاتين الآيتين نهى لكل واحد عن الكتمان ، وأمر بالبيان على ما هو الحكم في الجمع
المضاف إلى جماعة أنه يتناول كل واحد منهم ، ولان أخذ الميثاق من أصل الدين ،
والخطاب للجماعة بما هو أصل الدين يتناول كل واحد من الآحاد ، ومن ضرورة
توجه الامر بالاظهار على كل واحد أمر السامع بالقبول منه والعمل به ، إذ أمر
الشرع لا يخلو عن فائدة حميدة ولا فائدة في النهي عن الكتمان ، والامر بالبيان سوى
هذا . ولا يدخل عليه الفاسق فإنه داخل في عموم الامر بالبيان ثم لا يقبل بيانه في الدين ،
لأنه مخصوص من هذا النص بنص آخر وهو ما فيه أمر بالتوقف في خبر الفاسق ،
ثم هو مزجور عن اكتساب سبب الفسق مأمور بالتوبة عنه ثم يترتب البيان عليه ،
فعلى هذا الوجه بيانه يفيد وجوب القول والعمل به ، وقال تعالى : * ( فلولا نفر
من كل فرقة منهم طائفة ) * الآية ، والفرقة اسم للثلاثة فصاعدا ، فالطائفة من الفرقة
أصول السرخسي — صفحة 322
مساهمون: أبو الوفاء الأفغاني
ص٣٢٢