لأنا نستدل بأحد الحكمين على الآخر بعد ثبوت المساواة بينهما من حيث
إن المقصود بكل واحد منهما تحصيل عبادة زائدة هي محض حق الله تعالى ،
على وجه يكون المعنى فيها لازما ، والرجوع عنها بعد الأداء حرام ، وإبطالها
بعد الصحة جناية ، فبعد ثبوت المساواة بينهما يجعل هذا دليلا على ذاك
تارة وذاك على هذا تارة . وكذلك قولنا في الثيب الصغيرة من يكون موليا
عليه في ماله تصرفا يكون موليا عليه في نفسه تصرفا كالبكر ، وفي
البكر البالغة من لا يكون موليا عليه في ماله تصرفا لا يكون موليا عليه
في نفسه تصرفا كالرجل ، يكون استدلالا صحيحا بأحد الحكمين على الآخر ،
إذ المساواة قد تثبت بين التصرفين من حيث إن ثبوت الولاية في كل واحد
منهما باعتبار حاجة المولى عليه وعجزه عن التصرف بنفسه ، فلا يستقيم قلبهم
إذا ذكرنا هذا على وجه الاستدلال ، لأن جواز الاستدلال بكل واحد
منهما على الآخر يدل على قوة المشابهة والمساواة وهو المقصود
بالاستدلال ، بخلاف ما علل به الشافعي ، فإنه لا مساواة بين الجلد
والرجم ، أما من حيث الذات فالرجم عقوبة غليظة تأتي على النفس والجلد لا ،
ومن حيث الشرط الرجم يستدعي من الشرائط ما لا يستدعي عليه الجلد
كالثيوبة . وكذلك لا مساواة بين ركن القراءة وبين الركوع ، فإن الركوع
فعل هو أصل في الركعة ، والقراءة ذكر هو زائد ، حتى إن العاجز عن الأذكار
القادر على الافعال يؤدي الصلاة ، والعاجز عن الافعال القادر على الأذكار
لا يؤديها ، ويسقط ركن القراءة بالاقتداء عندنا وعند خوف فوت الركعة
بالاتفاق ولا يسقط ركن الركوع . وكذلك لا مساواة بين الشفع الثاني والشفع
الأول في القراءة ، فإنه يسقط في الشفع الثاني شطر ما كان مشروعا في الشفع
الأول وهو قراءة السورة والوصف المشروع فيه في الشفع الأول وهو الجهر
بالقراءة ، ومع انعدام المساواة لا يمكن الاستدلال بأحدهما على الآخر ، والقلب
يبطل التعليل على وجه المقايسة .
والنوع الثاني من القلب : هو جعل الظاهر باطنا بأن يجعل الوصف الذي
أصول السرخسي — صفحة 239
مساهمون: أبو الوفاء الأفغاني
ص٢٣٩