وكذلك لفظ النكاح فإنما نحمله على الوطئ والخصم على العقد ، وما قلناه أحق لان
الاسم في أصل الوضع لمعنى الضم والالتزام يقول القائل أنكح الصبر أي التزمه وضمه
إليك ، ومعنى الضم في الوطئ يتحقق بما يحصل من معنى الاتحاد بين الواطئين عند
ذلك الفعل ولهذا يسمى جماعا ، ثم العقد يسمى نكاحا باعتبار أنه سبب يتوصل به إلى
ذلك الضم ، فبالتأمل في صيغة اللفظ يتبين أن الوطئ أحق به إلا في الموضع الذي
يتعذر حمله عليه فحينئذ يحمل على ما هو مجاز عنه وهو العقد ، وهذا هو الحكم في كل
لفظ محتمل للحقيقة والمجاز أنه إذا تعذر حمله على الحقيقة يحمل على المجاز لتصحيح
الكلام ، وهذا التعذر إما لعدم الامكان أو لكونه مهجورا عرفا أو لكونه مهجورا
شرعا ، فالذي هو متعذر نحو ما إذا حلف أن لا يأكل من هذه النخلة أو من هذه
الكرمة فإن يمينه تنصرف إلى الثمرة لان ما هو الحقيقة في كلامه متعذر ، وأما المهجور
عرفا فنحو ما إذا حلف أن لا يشرب من هذه البئر فإنه ينصرف يمينه إلى الشرب
من ماء البئر لان الحقيقة وهو الكرع في البئر مهجورة ، واختلف مشايخنا أنه إذا
كرع هل يحنث أم لا ؟ فمنهم من يقول يحنث أيضا لان الحقيقة لا تتعطل وإن حمل
اللفظ على المجاز ، وسواء أخذ الماء في كوز وشربه أو كرع في البئر فقد شرب ماء
البئر فيحنث ، ومنهم من يقول لا يحنث ، لأنه لما صار المجاز مرادا سقط اعتبار
الحقيقة على ما قال في الجامع : لو قال لأجنبية إن نكحتك فعبدي حر ينصرف
يمينه إلى العقد دون الوطئ . ولو قال لزوجته : إن نكحتك ينصرف إلى الوطئ
دون العقد حتى لو أبانها ثم تزوجها لم يحنث ما لم يطأها . ولو قال للمطلقة الرجعية :
إن راجعتك ينصرف إلى الرجعة دون ابتداء العقد ، ولو قال للمبانة : إن راجعتك
ينصرف إلى ابتداء العقد ولكن الأول أوجه لا باعتبار الجمع بين الحقيقة والمجاز
في كونه مرادا باللفظ بل باعتبار عموم المجاز وهو شرب ماء البئر بأي طريق شربه ،
وعلى هذا قلنا مطلق التوكيل بالخصومة ينصرف إلى الجواب وإن كان ذلك مجازا
لان الحقيقة مهجورة شرعا ، فإن المدعي إذا كان محقا فالمدعي عليه لا يملك الانكار
شرعا ولا يجوز له التوكيل بذلك فيحمل اللفظ على المجاز عند الاطلاق ، ثم يصح
منه الانكار والاقرار باعتبار معنى عموم المجاز وهو أنه جواب للخصم . ومن حلف
أن لا يكلم هذا الصبي فكلمه بعدما صار شيخا يحنث باعتبار أن الحقيقة مهجورة
أصول السرخسي — صفحة 199
مساهمون: أبو الوفاء الأفغاني
ص١٩٩