والمرجع ما ليس فيه احتمال التأويل ولا احتمال النسخ والتبديل ، وذلك نحو قوله تعالى :
* ( إن الله بكل شئ عليم ) * فقد علم أن هذا ( وصف ) دائم لا يحتمل السقوط بحال
وإنما يظهر التفاوت في موجب هذه الأسامي عند التعارض ، وفائدته ترك الأدنى
بالأعلى وترجيح الأقوى على الأضعف ، ولهذا أمثلة في الآثار إذا تعارضت نذكرها
في بيان أقسام الاخبار إن شاء الله تعالى . وأمثاله من مسائل الفقه ما قال
علماؤنا رحمهم الله فيمن تزوج امرأة شهرا فإنه يكون ذلك متعة لا نكاحا ، لان قوله
تزوجت نص للنكاح ولكن احتمال المتعة قائم فيه ، وقوله شهرا مفسر في المتعة ليس
فيه احتمال النكاح فإن النكاح لا يحتمل التوقيت بحال فإذا اجتمعا في الكلام
رجحنا المفسر وحملنا النص على ذلك المفسر فكان متعة لا نكاحا . وقال في الجامع :
إذا قال الرجل لآخر لي عليك ألف درهم فقال الحق أو الصدق أو اليقين كان إقرارا
ولو قال البر أو الصلاح لا يكون إقرارا ، فإن قال البر الحق أو البر الصدق أو البر
اليقين كان إقرارا ، ولو قال الصلاح الحق أو الصلاح الصدق أو الصلاح اليقين
يكون ردا لكلامه ولا يكون إقرارا ، لان الحق والصدق واليقين صفة للخبر ظاهرا
فإذا ذكره في موضع الجواب كان محمولا على الخبر الذي هو تصديق باعتبار الظاهر
مع احتمال فيه وهو إرادة ابتداء الكلام ، أي الصدق أولى بك أو الحق أو اليقين
أولى بالاشتغال من دعوى الباطل ، فأما البر فهو اسم لجميع أنواع الاحسان لا يختص
بالخبر فهو وإن ذكر في موضع الجواب يكون بمنزلة المجمل لا يفهم منه الجواب عند
الانفراد ، فإن قرن به ما يكون ظاهره للجواب وذلك الصدق أو الحق أو اليقين
حمل ذلك المجمل على هذا البيان الظاهر فيكون إقرارا ، فأما الصلاح ليس فيه احتمال
الخبر بل هو محكم في أنه ابتداء كلام لا جواب ، فيحمل ما يقرن به من الظاهر
على هذا المحكم ويجعل ذلك ردا لكلامه وابتداء أمر له باتباع الصلاح وترك
دعوى الباطل .
أصول السرخسي — صفحة 166
مساهمون: أبو الوفاء الأفغاني
ص١٦٦