الامتثال ظاهرا ، فتبين بهذا أن موجب النص ما هو موجب الظاهر ولكنه يزداد
على الظاهر فيما يرجع إلى الوضوح والبيان بمعنى عرف من مراد المتكلم ، وإنما يظهر
ذلك عند المقابلة ويكون النص أولى من الظاهر .
وأما المفسر فهو اسم للمكشوف الذي يعرف المراد به مكشوفا على وجه لا يبقى
معه احتمال التأويل فيكون فوق الظاهر والنص ، لان احتمال التأويل قائم فيهما
منقطع في المفسر ، سواء كان ذلك مما يرجع إلى صيغة الكلام بأن لا يكون محتملا
إلا وجها واحدا ولكنه لغة عربية أو استعارة دقيقة فيكون مكشوفا ببيان
الصيغة ، أو يكون بقرينة من غير الصيغة ، فيتبين به المراد بالصيغة لا لمعنى من المتكلم
فينقطع به احتمال التأويل إن كان خاصا واحتمال التخصيص إن كان عاما ، مثاله قوله
تعالى : * ( فسجد الملائكة كلهم أجمعون ) * فإن اسم الملائكة عام فيه احتمال الخصوص
فبقوله : * ( كلهم ) * ينقطع هذا الاحتمال ويبقى احتمال الجمع والافتراق فبقوله : * ( أجمعون ) *
ينقطع احتمال تأويل الافتراق ، وتبين أن المفسر حكمه زائد على حكم النص والظاهر
فكان ملزما موجبه قطعا على وجه لا يبقى فيه احتمال التأويل ، ولكن يبقى
احتمال النسخ .
وأما المحكم فهو زائد على ما قلنا باعتبار أنه ليس فيه احتمال النسخ والتبديل ،
وهو مأخوذ من قولك : بناء محكم : أي مأمون الانتقاض ، وأحكمت الصيغة :
أي أمنت نقضها وتبديلها ، وقيل بل هو مأخوذ من قول القائل : أحكمت فلانا عن
كذا : أي رددته ، قال القائل :
أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم إني أخاف عليكم أن أغضبا
أي امنعوا ، ومنه حكمة الفرس لأنها تمنعه من العثار والفساد ، فالمحكم ممتنع
من احتمال التأويل ، ومن أن يرد عليه النسخ والتبديل ، ولهذا سمى الله تعالى
المحكمات أم الكتاب : أي الأصل الذي يكون المرجع إليه بمنزلة الام للولد فإنه يرجع
إليها ، وسميت مكة أم القرى لان الناس يرجعون إليها للحج وفي آخر الامر ،
أصول السرخسي — صفحة 165
مساهمون: أبو الوفاء الأفغاني
ص١٦٥