الفعل حراما لعينه ، ألا ترى أن العصير إذا تخمر يبقى مملوكا ويكون الفعل فيه حراما
لعينه حتى يجب الحد بشربه ، ولكن لم يبق معصوما متقوما لأنه حينئذ يكون بمنزلة
عصير الغير فلا يكون شربه حراما لعينه . ثم وجوب القطع باعتبار العصمة والتقوم
في محل مملوك ، فأما المالك فهو غير معتبر فيه لعينه بل ليظهر السبب بخصومته عند
الامام ، ولهذا لو ظهر بخصومة غير المالك نقيم الحد بخصومة المكاتب والعبد
المأذون المستغرق بالدين في كسبه والمتولي في مال الوقف ، ونحن إنما جعلنا
ما وجب القطع باعتباره حقا لله تعالى لضرورة كون الواجب محض حق الله تعالى وذلك
في العصمة والتقوم دون أصل الملك . ومن هذه الجملة قوله تعالى : * ( أن تبتغوا
بأموالكم ) * فالابتغاء موضوع لمعنى معلوم وهو الطلب بالعقد ، والباء للالصاق ،
فثبت له اشتراط كون المال ملصقا به بالابتغاء تسمية أو وجوبا ، والقول بتراخيه
عن الابتغاء إلى وجود حقيقة المطلوب كما قاله الخصم في المفوضة أنه لا يجب المهر لها
إلا بالوطئ يكون ترك العمل بالخاص ، فيكون في معنى النسخ له ولا يجوز المصير
إليه بالرأي . ومن ذلك قوله تعالى : * ( قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم ) * فالفرض
لمعنى معلوم لغة وهو التقدير والكتابة في قوله تعالى : * ( فرضنا ) * لمعنى معلوم لغة
وهو إرادة المتكلم نفسه ، فالقول بأن المهر غير مقدر شرعا بل يكون إيجاب أصله
بالعقد وبيان مقداره مفوضا إلى رأي الزوجين يكون ترك العمل بهذا الخاص ،
فإنما العمل به فيما قلنا إن وجوب أصله وأدنى المقدار فيه ثابت شرعا لا خيار له
فيه للزوجين . ومن هذا النوع ما قال محمد والشافعي في قوله تعالى : * ( فإن طلقها
فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره ) * إن كلمة حتى موضوع لمعنى لغة
وهو الغاية والنهاية ، فجعله لمعنى موجب حلا حادثا يكون ترك العمل بهذا الخاص ،
وإنما العمل به في أن يجعل غاية للحرمة الحاصلة في المحل ولا حرمة قبل استيفاء عدد
الطلاق ولا تصور للغاية قبل وجود أصل الشئ ، فإن المنتهى بالغاية بعض الشئ
فكيف يتحقق قبل وجود أصله ! بل يكون وجود الزوج الثاني في هذه الحالة كعدمه .
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله : ما تناوله هذا الخاص فهو غاية لما وضع
أصول السرخسي — صفحة 130
مساهمون: أبو الوفاء الأفغاني
ص١٣٠