في معنى الرخصة يشترك الصوم والفطر ، فمن وجه الصوم مع الجماعة في شهر رمضان
يكون أيسر من التفرد به بعد مضي الشهر وإن كان أشق على بدنه ، ومن وجه
الترخص بالفطر مع أداء الصوم بعد الإقامة أيسر عليه لكيلا تجتمع عليه مشقتان
في وقت واحد : مشقة السفر ومشقة أداء الصوم ، وإذا كان في كل جانب نوع ترفه
يخير بينهما للتيسير عليه ، وبعد تحقق المعارضة بينهما يترجح جانب أداء الصوم
لكونه مطيعا فيه عاملا لله تعالى إلا أن يخاف الهلاك على نفسه إن صام فحينئذ يلزمه
أن يفطر ، لأنه إن صام فمات كان قتيل الصوم وهو المباشر لفعل الصوم فيكون
قاتلا نفسه وعلى المرء أن يتحرز عن قتل نفسه ، بخلاف ما إذا أكرهه ظالم على الفطر
فلم يفطر حتى قتله لان القتل هنا مضاف إلى فعل الظالم ، فأما هو في الامتناع عن الفطر
عند الاكراه مستديم للعبادة ، مظهر للطاعة عن نفسه في العمل لله تعالى ، وذلك
عمل المجاهدين .
وبيان النوع الثالث في الأصر والأغلال التي كانت على من قبلنا ، وقد
وضعها الله تعالى عنا ، كما قال تعالى : * ( ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت
عليهم ) * وقال تعالى : * ( ربنا ولا تحمل علينا إصرا ) * الآية ، فهذا النوع غير مشروع
في حقنا أصلا ، لا بناء على عذر موجود في حقنا بل تيسيرا وتخفيفا علينا ، فكانت
رخصة من حيث الاسم مجازا وإن لم تكن رخصة حقيقة لانعدام السبب الموجب
للحرمة مع الحكم بالرفع والنسخ أصلا في حقنا ، فإن حقيقة الرخصة في الاستباحة
مع قيام السبب المحرم ، ولكن لما كان الرفع للتخفيف علينا والتسهيل سميت
رخصة مجازا .
وأما بيان النوع الرابع فما يستباح تيسيرا لخروج السبب من أن يكون موجبا
للحكم مع بقائه مشروعا في الجملة ، فإنه من حيث انعدام السبب الموجب للحكم يشبه
هذا النوع الثالث فكان مجازا ، ومن حيث إنه بقي السبب مشروعا في الجملة يشبه
أصول السرخسي — صفحة 120
مساهمون: أبو الوفاء الأفغاني
ص١٢٠