ومنها - ما رواه في الفقيه قال ( 1 ) خطب أمير المؤمنين ( ع ) الناس فقال : ان الله تبارك
وتعالى حد حدودا فلا تعتدوها ، وفرض فرائض فلا تنقضوها ، وسكت عن أشياء لم يسكت
عنها نسيانا لها فلا تتكلفوها ، رحمة من الله لكم فاقبلوها . ثم قال ( ع ) : حلال بين ، وحرام
بين ، وشبهات بين ذلك فمن ترك ما اشتبه عليه من الاثم فهو لما استبان له أترك ، والمعاصي
حمى الله فمن يرتع حولها يوشك ان يدخلها . قوله ( ع ) : " وسكت عن أشياء " إلى قوله
" فاقبلوها " معناه ان كل ما لم يصل إليكم من التكاليف ولم يثبت في الشرع فليس عليكم
شئ فلا تتكلفوه على أنفسكم فإنه رحمة من الله لكم وفي هذا قيل : اسكتوا عما سكت الله
عنه ، مثاله قيود النيات التي أوجبها المتأخرون بلا دليل من الشرع ، مثل قيد رفع الحدث
في الطهارات ، وقيد الوجوب والاستحباب في العبادات ، والعلم بتعيين أحدهما فيها ، إلى غير
ذلك ، وهذا الأصل يرجع إلى أصالة البراءة .
ومنها - ( 2 ) الحديث النبوي المتواتر بين العامة والخاصة : انما الأمور ثلاثة ، أمر
هامش
1 - قال المصنف ( ره ) في المجلد الأول من الوافي في آخر " باب النهي عن القول بغير
علم " ( ص 39 من الطبعة الثانية ) : " يه - خطب أمير المؤمنين ، الحديث " قائلا بعده :
" بيان - فلا تتكلفوها معناه ان ما لم يصل ( وذكر مثل ما في المتن إلى قوله ) سكت الله عنه " .
فليعلم ان السيد الرضي ( ره ) نقل صدر هذا الحديث في نهج البلاغة في باب الحكم
بهذه العبارة : " ان الله تعالى افترض عليكم فرائض فلا تضيعوها وحد لكم حدودا فلا تعتدوها ،
ونهاكم عن أشياء فلا تنتهكوها ، وسكت لكم عن أشياء ولم يدعها نسيانا فلا تتكلفوها " .
2 - اعلم أن المصنف ( ره ) اخذ ما ذكره هنا مما ذكره الأمين الأسترآبادي ( ره ) في الفوائد
المدنية ونص عبارته هكذا ( ص 163 من النسخة المطبوعة ) :
" السؤال الثامن ان يقال : كيف عملكم في حديث صحيح يحتمل الوجوب والندب
وجوابه ان يقال : نوجب التوقف عن تعيين أحد الاحتمالين ثم نقول : ان كان ظاهره الوجوب
يجب فعله بنية مطلقة احتياطا وكذلك مع تساوي الاحتمالين ، وان كان ظاهره الندب وباطنه
الوجوب فوجوبه موضوع عنا ، وبعد ما أحطت خبرا بالأحاديث الناطقة بوجوب التوقف
والتثبت في كل واقعة لم يكن حكمها بينا واضحا بقوله ( ص ) في الحديث المتواتر بين
الفريقين : انما الأمور ( الحديث ) وبقول الكاظم ( ع ) في صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج حيث
قال : فقلت ، ان بعض أصحابنا سألني عن ذلك ( الحديث ) وبما روى الفريقان عنه ( ص ) : دع
( الحديث ) " وله ذيل تركه المصنف ( ره ) : وهو " وبقول الكاظم ( ع ) في مكاتبة عبد الله بن
صباح : أرى لك ان تنتظر حتى تذهب الحمرة وتأخذ بالحائطة وبقولهم عليهم السلام : ما
حجب الله علمه عن العباد فهو موضوع عنهم سهل عليك الجواب عن هذه الأسئلة .
وهنا فائدتان ، الأولى - انه ( ص ) حصر الأمور في ثلاثة ، احديها بين رشدها ،
وثانيتها بين غيها ، وثالثتها ما ليس هذا ولا ذاك وسماها شبهة فعلم من ذلك أن كل ما ليس
بيقيني حتى الظني شبهة . الفائدة الثانية - انه وقع في كلامهم عليهم السلام اطلاق الجاهل
على غير القاطع بالحكم سواء كان شاكا أو ظانا ( فخاض في بيانه فمن اراده فليطلبه من هناك ) " .