بذلك أن التحذير إنما يحسن إذا كان الأمر مقتضيا للإيجاب . ويدل أيضا على صحة ما ذهبنا إليه ما روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لبريرة ( 1 ) : « ارجعي إلى زوجك فإنه أبو ولدك ، وله عليك حق » . فقالت يا رسول الله : أتأمرني بذلك ؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم : « لا وإنما أنا شافع » [ 1 ] فعدل عن الأمر إلى الشفاعة ، فلو لا أنه كان يقتضي الإيجاب وإلا لم يكن فرق بينه وبين الشفاعة ، لأن شفاعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم مرغب في إجابتها ، فعلم بذلك أن أمره كان يقتضي الإيجاب ، فلأجل ذلك لم يأمرها ، لأنه أراد ترغيبها في ذلك ولم يرد الإيجاب . ويمكن أن يعتمد في أن الأمر يقتضي الإيجاب على أن يقال : إن الاحتياط يقتضي ذلك ، لأنه متى امتثل المأمور به ، فإن كان مقتضاه الندب فقد فعله على كل حال ، وإن كان مشتركا فقد أمن الذم والعقاب من مخالفته لو كان واجبا ، وإن كان واجبا فقد امتثل المأمور به ، فالاحتياط يوجب عليه ذلك على المذاهب كلها . إلا أن هذا وإن أمكن فإنما يمكن أن يقال : يجب عليه أن يفعل المأمور به ولا يعتقد فيه أن له صفة الوجوب ، لأنه إن اعتقد ذلك وهو لا يأمن أن لا يكون كذلك يكون اعتقاده جهلا ، وإنما يسلم له ذلك إذا خلا من اعتقاد في المأمور به واقتصر على نفس الفعل ، فإذا فعل ذلك كان ذلك معتمدا .
العدة في أصول الفقه ( عدة الأصول ) ( ط . ج ) — صفحة 176
مساهمون: الشيخ الطوسي
ص١٧٦
هامش
( 1 ) بريرة بضم الموحدة وفتح المهملتين وسكون الخاتمة كانت جارية لعائشة ولها زوج ، فلما أعتقتها عائشة اختارت مفارقة زوجها . .
[ 1 ] روى المتقي الهندي في كنز العمال : « عن ابن عباس : أن زوج بريرة كان عبدا لبني فلان ناس من الأنصار يقال : له مغيث ، والله لكأني أنظر إليه الآن يتبعها في سكك المدينة وهو يبكي فكلم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بريرة أن ترجع إلى زوجها ، فقالت : يا رسول الله ، أتأمرني بذلك ؟ فقال : إنما أنا شفيع له ، فقالت : لا والله لا أرجع إليه أبدا » [ كنز العمال 16 : 547 رقم 45838 ] والحديث أخرجه البخاري في كتاب الطلاق باب ( شفاعة النبي في زوج بريرة ) ، وابن ماجة في كتاب الطلاق باب ( خيار الأمة إذا أعتقت ) ، وأبو داود في باب ( المملوكة تعتق تحت حر أو عبد ) .