وكل خطاب كلام .
والخطاب يفتقر في كونه كذلك إلى إرادة المخاطب ، لكونه خطابا لمن هو خطاب له ومتوجه إليه ، لأنه قد يوافق الخطاب في جميع صفاته من وجود ، وحدوث ، وصيغة ، وترتيب ما ليس بخطاب ، فلا بد من أمر زائد ، وهو ما قلناه .
والكلام في الخطاب ، كلام في بيان أدلة الكتاب ، والسنة ، وذلك ينقسم خمسة أقسام :
أحدها : الكلام في الأوامر والنواهي .
والثاني : الكلام في العموم والخصوص .
والثالث : الكلام في المطلق والمقيد .
والرابع : الكلام في المجمل والمبين .
والخامس : الكلام في الناسخ والمنسوخ .
أما ما هو طريق إلى إثبات الخطاب من هذه الطرق ، فهو قسم واحد ، وهو الكلام في الأخبار ، وبيان أقسامها .
وأما ما الخطاب طريق إليه ، فهو أيضا قسم واحد ، وهو الكلام في أحكام الأفعال .
وألحق قوم بهذا القسم الكلام في الإجماع ، والقياس ، والاجتهاد ، وصفة المفتي والمستفتي ، والحظر ، والإباحة .
وذلك غير صحيح على قاعدة مذاهبنا ، لأن الإجماع عندنا إذا اعتبرناه ، من حيث كان فيه معصوم ، ولا يجوز عليه الخطأ ، ولا يخلو الزمان منه ، وطريق ذلك العقل دون السمع ، فهو خارج عن هذا الباب .
وأما القياس والاجتهاد [ 1 ] فعندنا أنهما ليسا بدليلين ، بل محظور استعمالهما ،
هامش
[ 1 ] يقول العلامة الشهيد السيد محمد باقر الصدر ( ره ) في تفسير مصطلح الاجتهاد وبيان الفارق بين مصطلح الاجتهاد عند فقهاء مدرسة الإمامية وعند أهل السنة في كتابه ( دروس في علم الأصول : 1 - 157 - 154 ) .
[ ( الاجتهاد ) في اللغة مأخوذة من ( الجهد ) وهو « بذل الوسع للقيام بعمل ما » وقد استعملت هذه الكلمة - لأول مرة - على الصعيد الفقهي للتعبير بها عن قاعدة من القواعد التي قررتها بعض مدارس الفقه السني وسارت على أساسها وهي القاعدة القائلة « إن الفقيه إذا أراد أن يستنبط حكما شرعيا ولم يجد نصا يدل عليه في الكتاب أو السنة رجع إلى الاجتهاد بدلا عن النص » . و ( الاجتهاد ) هنا يعني التفكير الشخصي ، فالفقيه حيث لا يجد النص يرجع إلى تفكيره الخاصّ ويستلهمه ويبني على ما يرجح في الكتاب أو السنة ويستدل بهما معا ، كذلك يستند في حالات عدم توفر النص إلى الاجتهاد الشخصي ويستدل به . وقد نادت بهذا المعنى للاجتهاد مدارس كبيرة في الفقه السني وعلى رأسها مدرسة أبي حنيفة ، ولقي في نفس الوقت معارضة شديدة من أئمة أهل البيت عليهم السلام والفقهاء الذين ينتسبون إلى مدرستهم . وتتبع كلمة ( الاجتهاد ) يدل على أن الكلمة حملت هذا المعنى وكانت تستخدم للتعبير عنه منذ عصر الأئمة إلى القرن السابع ، فالروايات المأثورة عن أئمة أهل البيت عليهم السلام تذم الاجتهاد [ وسائل الشيعة : باب 6 من أبواب صفات القاضي ] وتريد به ذلك المبدأ الفقهي الَّذي يتخذ من التفكير الشخصي مصدرا من مصادر الحكم ، وقد دخلت الحملة ضد هذا المبدأ الفقهي دور التصنيف في عصر الأئمة أيضا والرّواة الذين حملوا آثارهم ، وكانت الحملة تستعمل كلمة ( الاجتهاد ) غالبا للتعبير عن ذلك المبدأ وفقا للمصطلح الَّذي جاء في الروايات ، فقد صنف عبد الله بن عبد الرحمن الزبيري كتابا أسماه « الاستفادة في الطعون على الأوائل والرد على أصحاب الاجتهاد والقياس » وصنف هلال بن إبراهيم بن أبي الفتح المدني [ الدلفي ] كتابا في الموضوع باسم كتاب « الرد على من رد آثار الرسول واعتمد نتائج العقول » وصنف في عصر الغيبة الصغرى أو قريبا منه إسماعيل بن علي بن إسحاق بن أبي سهل النوبختي كتابا في الرد على عيسى بن أبان في الاجتهاد ، كما نصّ على ذلك كله النجاشي صاحب الرّجال في ترجمة كل واحد من هؤلاء . وفي أعقاب الغيبة الصغرى نجد الصدوق في أواسط القرن الرابع يواصل تلك الحملة ، ونذكر له - على سبيل المثال - تعقيبه على قصة موسى والخضر إذ كتب يقول : « . . . فإذا لم يصلح موسى للاختيار - مع فضله ومحله - فكيف تصلح الأمة لاختيار الإمام وكيف يصلحون لاستنباط الأحكام الشرعية واستخراجها بعقولهم الناقصة وآرائهم المتفاوتة ؟ » . وفي أواخر القرن الرابع يجيء الشيخ المفيد فيسير على نفس الخطَّ ويهجم على الاجتهاد ويكتب كتابا في ذلك باسم « النقض على ابن الجنيد في اجتهاد الرّأي » . ونجد المصطلح نفسه لدى السيد المرتضى في أوائل القرن الخامس إذ كتب في « الذريعة » يذم الاجتهاد ويقول : « إن الاجتهاد باطل ، وإن الإمامية لا يجوز عندهم العمل بالظن ولا الرّأي ولا الاجتهاد » ، واستمر هذا الاصطلاح في كلمة ( الاجتهاد ) بعد ذلك أيضا فالشيخ الطوسي الَّذي توفي في أواسط القرن الخامس يكتب في كتاب « العدة » قائلا : « وأما القياس والاجتهاد فعندنا أنهما ليسا بدليلين ، بل محظور في الشريعة استعمالهما » وفي أواخر القرن السادس يستعرض ابن إدريس في مسألة تعارض البينتين من كتابه « السرائر » عددا من المرجحات لإحدى البينتين على الأخرى ثم يعقب ذلك قائلا : « والقياس والاستحسان والاجتهاد باطل عندنا » . وهكذا تدل هذه النصوص بتعاقبها التاريخي المتتابع على أن كلمة ( الاجتهاد ) كانت تعبيرا عن ذلك المبدأ الفقهي المتقدم إلى أوائل القرن السابع ، وعلى هذا الأساس اكتسبت الكلمة لونا مقيتا وطابعا من الكراهية والاشمئزاز في الذهنية الفقهية الإمامية نتيجة لمعارضة ذلك المبدأ والإيمان ببطلانه .
ولكن كلمة ( الاجتهاد ) تطورت بعد ذلك في مصطلح فقهائنا ولا يوجد لدينا الآن نصّ شيعي يعكس هذا التطور أقدم تاريخا من كتاب « المعارج » للمحقق الحلي المتوفى سنة 676 ه إذ كتب المحقق تحت عنوان حقيقة الاجتهاد يقول : « وهو في عرف الفقهاء بذل الجهد في استخراج الأحكام الشرعية ، وبهذا الاعتبار يكون استخراج الأحكام من أدلة الشرع اجتهادا لأنها تبتني على اعتبارات نظرية ليست مستفادة من ظواهر النصوص في الأكثر ، سواء كان ذلك الدليل قياسا أو غيره ، فيكون القياس على هذا التقرير أحد أقسام الاجتهاد .
فإن قيل : يلزم - على هذا - أن يكون الإمامية من أهل الاجتهاد ؟ قلنا : الأمر كذلك لكن فيه إيهام من حيث إن القياس من جملة الاجتهاد ، فإذا استثنى القياس كنا من أهل الاجتهاد في تحصيل الأحكام بالطرق النظرية التي ليس أحدها القياس » ويلاحظ على هذا النص بوضوح أن كلمة ( الاجتهاد ) كانت لا تزال في الذهنية الإمامية مثقلة بتبعة المصطلح الأول ، ولهذا يلمح النص إلى أن هناك من يتحرج من هذا الوصف ويثقل عليه أن يسمي فقهاء الإمامية مجتهدين . ولكن المحقق الحلي لم يتحرج من اسم الاجتهاد بعد أن طوره أو تطور في عرف الفقهاء تطويرا يتفق مع مناهج الاستنباط في الفقه الإمامي ، إذ بينما كان الاجتهاد مصدرا للفقيه يصدر عنه ودليلا يستدل به كما يصدر عن آية أو رواية ، أصبح في المصطلح الجديد يعبر عن الجهد الَّذي يبذله الفقيه في استخراج الحكم الشرعي من أدلته ومصادره فلم يعد مصدراً من مصادر الاستنباط ، بل هو عملية استنباط الحكم من مصادره التي يمارسها الفقيه . والفرق بين المعنيين جوهري للغاية ، إذ كان على الفقيه - على أساس المصطلح الأول للاجتهاد - أن يستنبط من تفكيره الشخصي وذوقه الخاصّ في حالة عدم توفر النص ، وأما المصطلح الجديد فهو لا يسمح للفقيه أن يبرر أي حكم من الأحكام بالاجتهاد لأن الاجتهاد بالمعنى الثاني ليس مصدرا للحكم بل هو عملية استنباط الأحكام من مصادرها ] .