ومن أغرب ذلك سقوط الصيغة مع الحكم بالرفع بالقرينة كالحديث الذي رويناه من طريق الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس رضي الله عنهما قال احفظوا عني ولا تقولوا قال ابن عباس رضي الله عنه أيما عبد حج به أهله ثم أعتق فعليه حجة أخرى الحديث رواه ابن أبي شيبة من هذا الوجه فزعم أبو الحسن ابن القطان أن ظاهره الرفع وأخذه من نهي ابن عباس رضي الله عنهما لهم عن إضافة القول إليه
فكأنه قال لهم لا تضيفوه إلي وأضيفوه إلى الشارع
لكن يعكر عليه أن البخاري رواه من طريق أبي السفر سعيد بن يحمد قال سمعت ابن عباس رضي الله عنهما يقول يا أيها الناس اسمعوا مني ما أقول لكم واسمعوني ما تقولون ولا تذهبوا فتقولوا قال ابن عباس قال ابن عباس فذكر الحديث
وظاهر هذا أنه إنما طلب منهم أن يعرضوا عليه قوله ليصححه لهم خشية أن يزيدوا فيه أو ينقصوا والله أعلم
تنبيهان
أحدهما قد يقال ما الحكمة في عدول التابعي عن قول الصحابي رضي الله عنه سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ونحوها إلى يرفعه وما ذكر معها
قال الحافظ المنذري يشبه أن يكون التابعي مع تحققه بأن الصحابي رفع الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم شك في الصيغة بعينها فلما لم يمكنه الجزم بما قاله له أتى بلفظ يدل على رفع الحديث
قلت وإنما ذكر الصحابي رضي الله عنه كالمثال وإلا فهو جار في حق من بعده ولا فرق ويحتمل أن يكون من صنع ذلك صنعه طلبا للتخفيف وإيثارا للاختصار
ويحتمل أيضا أن يكون شك في ثبوت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم فلم يجزم بلفظ قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كذا بل كنى عنه تحرزا وسيأتي إن شاء اللّه تعالى في النوع الحادي والعشرين
النكت على كتاب ابن الصلاح — صفحة 195
مساهمون: ابن حجر العسقلاني
ص١٩٥