التي في السرداب ، فوقف فوق البئر مدّة يبكي ويتضرّع ويكتب بالقلم على حائط السرداب يطلب من الحاضرين الدعاء لشفائه . فما تمّ ابتهاله وتضرّعه حتى فتح الله تعالى لسانه ، وخرج من الناحية المقدّسة بلسان فصيح ، وبيان مليح !
وقد أحضره مرافقوه يوم السبت إلى مجلس تدريس جناب سيد الفقهاء العظام الأستاذ الأكبر حجة الاسلام الميرزا محمد حسن الشيرازي متّعنا الله ببقائه ، وبعد الحديث المناسب لذلك المقام قرأ عنده تبركاً سورة الحمد المباركة ، وكانت القراءة جيّدة جداً بنحو أذعن الحاضرون بصحّتها وحسنها .
وفي ليلتي الأحد والاثنين أضيئت المصابيح ونشرت الزينة في الصحن المطهر ونظم شعراء العرب والعجم مضمون تلك القضية ، أثبتنا بعضها في رسالة ( جنّة المأوى ) ( 1 ) والحمد لله وصلى الله على محمد وآله الطاهرين .
هامش
1 - قال المؤلف رحمه الله في جنّة المأوى ، ص 266 - 269 :
وفي ليلة الأحد والاثنين اجتمع العلماء والفضلاء في الصحن الشريف فرحين مسرورين ، وأضاؤوا فضاءه بالمصابيح والقناديل ، ونظموا القصّة ونشروها في البلاد ، وكان معه من المركب مادح أهل البيت عليهم السلام الفاضل اللبيب الحاج ملاّ عباس الصفّار الزنوزي البغدادي فقال - وهو من قصيدة طويلة ورآه مريضاً وصحيحاً - :
وفي عامها جئت والزائرين * إلى بلدة سرّ من قد رآها
رأيت من الصين فيها فتىً * وكان سميّ امام هداها
يشير إذا ما أراد الكلام * وللنفس منه . . . كذا براها
وقد قيّد السقم منه الكلام * وأطلق من مقلتيه دماها
فوافا إلى باب سرداب من * به الناس طرّاً ينال مناها
يروم بغير لسان يزور * وللنفس منه دهت بعناها
وقد صار يكتب فوق الجدار * ما فيه للرّوح منه شفاها
أروم الزّيارة بعد الدّعاء * ممّن رأى أسطري وتلاها
لعلّ لساني يعود الفصيح * وعلّي أزور وأدعو الإلها
إذا هو في رجل مقبل * تراه ورى البعض من أتقياها
تأبّط خير كتاب له * وقد جاء من حيث غاب ابن طه
فأومى إليه ادع ما قد كتب * وجاء فلمّا تلاه دعاها
وأوصى به سيّداً جالساً * أن ادعوا له بالشفاء شفاها
فقام وأدخله غيبة الإ * مام المغيّب من أوصياها
وجاء إلى حفرة الصفّة * التي هي للعين نور ضياها
وأسرج آخر فيها السراج * وأدناه من فمه ليراها
هناك دعا الله مستغفراً * وعيناه مشغولة ببكاها
ومذ عاد منها يريد الصلاة * قد عاود النفس منه شفاها
وقد أطلق الله منه اللسان * وتلك الصلاة أتمّ أداها
ولمّا بلغ الخبر إلى خرّيت صناعة الشعر السيّد المؤيد الأديب اللبيب فخر الطالبيّين ، وناموس العلويّين ، السيد حيدر بن السيّد سليمان الحلّي أيّده الله تعالى بعث إلى سرّ من رأى كتاباً صورته :
بسم الله الرحمن الرحيم ، لمّا هبّت من الناحية المقدّسة نسمات كرم الإمامة فنشرت نفحات عبير هاتيك الكرامة ، فأطلقت لسان زائرها من اعتقاله ، عندما قام عندها في تضرّعه وابتهاله ، أحببت أن أنتظم في سلك من خدم تلك الحضرة ، في نظم قصيدة تتضمّن بيان هذا المعجز العظيم ونشره ، وأن اُهنّئ علاّمة الزمن وغرّة وجهه الحسن ، فرع الأراكة المحمديّة ، ومنار الملّة الأحمديّة ، علم الشريعة ، وإمام الشيعة ، لأجمع بين العبادتين في خدمة هاتين الحضرتين ، فنظمت هذه القصيدة الغرّاء ، وأهديتها إلى دار اقامته وهي سامرّاء ، راجياً أن تقع موقع القبول ، فقلت ومن الله بلوغ المأمول :
كذا يظهر المعجز الباهرُ * ويشهده البرّ والفاجرُ
وتروى الكرامة مأثورة * يبلّغها الغائبَ الحاضر
يقرّ لقوم بها ناظر * ويقذي لقوم بها ناظر
فقلب لها ترحاً واقع * وقلب بها فرحاً طائر
أجِلْ طرف فكرك يا مستدلّ * وأنجد بطرفك يا غائر
تصفّح مآثر آل الرسول * وحسبك ما نشر الناشر
ودونكه نبأً صادقاً * لقلب العدوّ هو الباقر
فمن صاحب الأمر أمس استبان * لنا معجز أمره باهر
بموضع غيبته مذ ألمّ * أخو علّة داؤها ظاهر
رمى فمه باعتقال اللسان * رام هو الزّمن الغادر
فأقبل ملتمساً للشفاء * لدى من هو الغائب الحاضر
ولقّنه القول مستأجر * عن القصد في أمره جائر
فبيناه في تعب ناصب * ومن ضجر فكرهُ حائر
إذ انحلّ من ذلك الاعتقال * وبارحه ذلك الضائر
فراح لمولاه في الحامدين * وهو لآلائه ذاكر
لعمري لقد مسحت داءه * يدّ كلّ [ خلق ] ( 1 ) لها شاكر
يدّ لم تزل رحمة للعباد * لذلك أنشأها الفاطر
تحدّر ( 2 ) وإن كرهت أنفس * يضيق شجى صدرها الواغر
وقل انّ قائم آل النبي * له النهي وهو هو الآمر
أيمنع زائره الاعتقال * ممّا به ينطق الزائر
ويدعوه صدقاً إلى حلّة * ويقضي ( 3 ) على انّه القادر
ويكبو مرجّيه دون الغياث * وهو يقال به العاثر
فحاشاه ( 4 ) بل هو نعم المغيث * إذا نضنض الحارث الفاغر ( 5 )
فهذي الكرامة لا ماغدا * يلفّقه الفاسق الفاجر
أدم ذكرها يا لسان الزمان * وفي نشرها فمك العاطر
وهنَّ بها سرّ من رآ ومن * به رَبعها آهل عامر
هو السيد الحسن المجتبى * خضمّ الندى غيثه الهامر
وقل يا تقدّست من بقعة * بها يهب ( 6 ) الزلّة الغافر
كلا اسميك في الناس باد له * بأوجههم أثر ظاهر
فأنت لبعضهم سرّ من * رأى وهو نعت لهم ظاهر ( 7 )
وأنت لبعضهم ساء من * رأى وبه يوصف الخاسر
لقد أطلق الحسن المكرمات * مهيّاك ( 8 ) فهو بهي سافر
فأنت حديقة زهو ( 9 ) به * وأخلافه روضك الناضر ( 10 )
عليم تربّي بحجر الهدى * ونسج التقى برده الطاهر
إلى أن قال سلّمه الله تعالى :
كذا فلتكن عترة المرسلين ( 11 ) * والّا فما الفخر يا فاخر ؟ ! ( 12 )
1 . في الديوان ( حي ) .
2 . في الديوان ( تحدّث ) .
3 . في الديوان ( يغضي ) .
4 . في الديوان ( اُحاشيه ) .
5 . الحارث : لقب الأسد ، والفاغر : الذي فتح فاه يقال : نضنض لسانه : إذا حرّكَهُ ، فالسبع أشد ما يكون إذا فغر فاه ونضنض لسانه .
6 . في الديوان ( يغفر ) .
7 . في الديوان ( زاهر ) .
8 . في الديوان ( محياك وهو ) .
9 . في الديوان ( أُنس ) .
10 . في الديوان ( واخلاقك . . . الناظر ) .
11 . في الديوان ( الأنبياء ) .
12 . أقول راجع القصيدة بتمامها في ديوان السيد حيدر الحلّي المسمى بالدّر اليتيم والعقد النظيم : ص 176 - 179 وهي ( 55 ) بيت .