تخطي إلى المحتوى الرئيسي

النظام القرآني — صفحة 235

مساهمون:

ص٢٣٥
والاطّلاع الديني بحيث يفهمون كلام الله على مراده الحقيقي بغير اختلافٍ ولا تناقضٍ . . . وهو أمرٌ لا يقبله عاقلٌ . وإذن فالاعتراف بوقوع القول في تناقض القرآن هو اعترافٌ بواقعٍ موجودٍ في القرآن يحتِّمه جهلُ الناس بكلام الله ، ولا علاقة له بحقيقة كون التناقض موجوداً في القرآن ، ويؤكّده واقع الاختلاف بين علماء الأمة بشأن معانيه مفسِّرين أو بلاغيين أو نحويين أو كلاميين أو فقهاء . فمن يكون الذين اختلفوا فيه حتى يكون اختلافهم اتّهاماً للقرآن ؟ أهم أنبياء أم أولياء أم أوصياء أم أصفياء أم نزِّلَ بعلمهم أم خصّهم بتأويله أم كلَّف الخلق باتّباعهم ؟ كلاَّ إنْ هم إلاَّ خلقٌ من خلق الله قرؤوه فما تدبّروه ، وتلوه فما تلوه حقّ تلاوته . . فإن أخطئوا فلجهلهم ، وإن أصابوا فبما تعلّموا من القرآن نفسه . لكن الأمر يكون أوضح إذا تذكّرتَ أنَّ منكري وقوع الخلاف هم أنفسهم الذين اختلفوا فيه ، لأَنَّ هذه الردود إنَّما هي ردود العلماء . وكان الأولى الاعتراف بوقوع الاختلاف والبحث عن سببه وطريقة إزالته ، لأَنَّ القرآن نفسه له رأيه الواضح في هذا الأمر . فهناك قاعدةٌ قرآنيةٌ لإيضاح هذا الاختلاف وأسبابه ونتائجه ، وحذّر القرآن منه بناءً على ما وقع في الكتب الإلهية السابقة ، قال تعالى : * ( وَمَا أنزَلنَا عَلَيكَ الكِتَابَ إلاَّ لِتُبيِّنَ لَهم الذي اختَلَفوا فيه ) * ( النحل 64 ) فالكتابُ إذن أمانٌ من الاختلاف ، وحدوث الاختلاف في نفس الأمان جريمةٌ منكرةٌ ! . . . لأَنَّ معناها هو إخراج الأمر البيِّنِ الواضحِ من قدرته على التوضيح إلى أمرٍ غير واضحٍ ومبهمٍ . ومعنى ذلك أنَّ هناك قصدٌ لإبقاء الاختلاف بعد التوضيح فقال : * ( وَلا تَكُونوا كالَّذينَ تفرَّقوا وَاختَلَفوا مِن بعدِ مَا جاءهمُ البيِّنات ) * ( آل عمران 105 ) ثمَّ أوضح أنَّ الكتابَ لا يمكن أن يُختَلفَ فيهِ ، لأنَّه إنَّما نزلَ حصراً لتوضيح الأشياء : ( إلاَّ لِتُبيِّنَ لَهم الذي اختَلَفوا فيه ) .
النظام القرآني — صفحة 235 | عالم سبيط النيلي