تخطي إلى المحتوى الرئيسي

النظام القرآني — صفحة 173

مساهمون:

ص١٧٣
حَسَنٍ عملاً بالحديث الشريف ، لتعقّد العبارة نفسها . والخامس : إنَّ ( ثُمَّ ) لترتيب الإخبار لا لترتيب الحُكم . ومعنى هذه العبارة أنَّ المُخبِر بالوقائع قد رتّبها ، وترتيبه هذا هو لتنظيم عملية الإخبار ، لا لأنَّ الوقائع نفسها مرتّبة هكذا من الأصل . وأنت ترى الآن غرابة هذا الوجه ، بل جرأته في الافتراء على الله واتهامه بأنَّه يقول خلاف الواقع . وهو اتّهامٌ صريحٌ لا شكَّ فيه للقرآن بأنَّه لا ينطوي على أي علمٍ حقيقيٍّ ، ولا يفيد أيَّ معرفةٍ صحيحةٍ ، لأنَّ المتكلِّم إذا كان يسوق كلامه فيقدِّم ويؤخّر ما شاء بلا نظامٍ صارمٍ ولا قاعدةٍ محدّدةٍ ، فكيف يُمكنُ أن نعلمَ وجهَ الحقيقة من كلامه ؟ نعم . . لو قال ذلك عن أديبٍ أريبٍ ، بل أديبٍ مبتدئٍ لحسَبَتها إهانةٍ لمقامهِ وتجاوزاً عليه . واستشهد صاحب هذا الوجه بقول القائل : ( بلغني ما صنعتَ اليوم ثُمَّ ما صَنعتَ أمسِ وهو أعجب ) ، حيثُ ربط الحرف بجملةٍ تتحدّث عن واقعةِ ( أمس ) وهي أسبق من واقعة اليوم . وإذن فالمتكلِّم رتّب كلامه ولم يرتّب الوقائع . فأجِبنا بربّك : هل رأيت في عمرك كلّه فلسفةً بل سفسطةً أغرب من سفسطة النحويين ؟ ! فمن ذا يقول أو يقرّ للمتمثّل بجملةٍ من خياله أنَّ جملته تلك تقع صحيحةً في عالم البلاغة ؟ لو كان الأمر كذلك فما أكثر ما تفوّه الناس بجملٍ وعباراتٍ ليست من البيان في شيء ؟ فلِمنْ تُضبطُ القواعد والأمثال إذا كان يجوز أن يقال كلّ ما مرَّ في البال ؟ ! ومع ذلك فتعال أخي القارئ لنحاكمهم بتقدير المحذوف كما حاكمونا ، فحكموا جَوراً ونحكمهم قسطاً : أليست هذه الجملة تقديرها هكذا : ( بلغني ما صنعت اليوم ثمَّ بلغني ما صنعت أمس وهو أعجب ) ؟ . فيكون الترتيب لِمَا بَلغهُ من أمره . وأمَّا الأفعال نفسها والتي هي صنيعه بالأمس واليوم فلا تحتاج إلى ترتيبٍ جديدٍ بعد إنْ ترتّبت زمنياً بارتباطها ب‍ ( الأمس ) وارتباطها ب‍ ( اليوم ) . فإنْ كنت ترى أن هذا من كيدهم إذ جاءوا بهذه العبارة بالذات ، فما كان النحويون يوماً قليلي الكيد ! ! . ثمَّ : أين ذهبت هذه الفلسفة العجيبة حينما احتاجت الأمة للردِّ على دعوى اليهودي الذي قال بتناقض آية : * ( ثُمَّ استَوى إلى السَّمَاء ) * ( فُصلت 11 ) حيث هو بعد الأرض مع آية : * ( والأرضُ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاها ) * ( النازعات 30 ) حيث هي بعد السماء ؟ ( تأتيك إجابة المنهج في موضعها ) . أمَّا آيات سورة السجدة فقال فيها ابنُ هشام : أجيبَ عليها بأنَّ " سوّاه " عَطفٌ